( سيرته وكتاباته )

مقدمه

فى التقليد الكنسى للآباء ، يعتبر التفوق الذهنى مع بلوغ أرقى درجات القداسه والتقوى الشخصيه ، مؤهلين رئيسيين للمرشح كأسقف للكنيسه .

فأساقفه الكنيسه منذ القديم كانوا مفكرين من الطراز الأول ، وكتابا ملهمين ومعلمين أجلاء ، وكانت الكلمه المنطوقه من على المنبر والكلمه المكتوبه هى أعظم رصيد لخدمته .

وقد كانت عظاتهم وكتاباتهم ورسائلهم الرعويه غنيه فى التعليم والعقيده ، زاخره بالاقتباسات الإنجيليه وبشرح الإنجيل وتفسيره ، وكذلك بالتوجيهات الروحيه الثمينه ، فالحياه الروحيه فى نظر الأباء لم تكن أبدأ بالأمر النظرى ، وحتى كتاباتهم اللاهوتيه والدفاعيه وشرحهم لقانون الإيمان كانت رعويه متسمه بالصيغه العمليه البنائيه للنفس .

وكنتيجه للمناخ الذى عاشته الكنيسه الأولى ، جاءت كتابات الأباء تعبيرا عن الأصداء المحيطة بالكنيسه فى مواجهه الفكر الفلسفى الوثنى وفى مواجهه الهرطقات ، فقدمت حقائق الإيمان المسيحى بإتزان ووعى إلهى خاص ، بقلم آباء هم أولا رعاه لكنائسهم يزودون عن الرعيه ، ويدافعون عن الإيمان ويشرحون الأسفار، ويجتمعون ليصيغوا عقيده أو بندا فى دستور الإيمان من الإنجيل المقدس .

إنها ليست مهمه سهله ، تلك هى مهمه التعليم الصحيح فى المسيحيه وعلى الأخص حينما يختص الأمر بالعقيده والسلوك الأخلاقى للمسيحين ، وفى هذا نجد الآباء يشتركون بنصيب كبير ووافر فى التعليم الأرثوذكسى للإنسان المعاصر . لذا علم آباء الكنيسه هو علم اللاهوت الأبائى، والذين يجهلون إيمانهم يجهلون تعليم الآباء وتقليد الحياه الكنسيه غير المتوقف .

حقا كان الآباء يخاطبون فى كتاباتهم أى مؤمن سواء فى زمانهم او فى الحاضر مقدمين بذلك أساسيات حياتنا الروحيه وتقدمها ، معالجين المشكلات والإهتمامات الواقعيه فى مجتمع دائم التغيير ، لذا جاءت أحاديثهم وعظاتهم ورسائلهم ومقالاتهم وتفسيراتهم لسد إحتياج يفوق الزمان والمكان ، ولتقديم الحق والحياه بما يتجاوز الشك العقلى ، لنتأهل لشركة ميراث القديسين فى النور ( كو1:12) .

ومن بين آباء الكنيسه الذين لهم إسهامات فعاله فيها ، يأتى القديس كيريانوس الأسقف والشهيد ، الذى قدم بسيرته تعليما عمليا فى التدبير ” الإيكونوميا” والإدارة الكنسيه خلال وحده الكنيسه تجاه الهراطقه، واضعا أساسا متعدد القوى والصفات : من حيث بساطه الأسقفيه ورزانتها ، ومن حيث التقوى الكنسيه ووحده الأسقفيه والكنيسه والشعب والإستعداد للشهاده .

وهبه الله نعمه رسوليه فعلم الأغابى وقدم مثال فى الصحو والتعقل ، حاضرا مستعدا صاحيا عاملا فى وسط ضغوط الإضطهاد والإستشهاد، معتدلا فى مواجهه قضيه قبول المرتدين ، مثالا فى الثقه والمجاهرة فى شجاعه أدبيه وجرآة مسيحيه ومجاهرة كسمه من سمات الشهداء الأولين .

أعطاه الله نعمه وسلطان ( ملىء اليد ) فتاهل للعمل الرعوى بكل مؤهلاته ومسوغاته ومقوماته ، كراعى لغنم رعيته ، ينام الغنم وكبريانوس لا ينعس ولا ينام ، هى لا ترى من أين يأتى عدوها ، وهو يراه ، لا تعلم أى طعام تتأكل فى غدها ، وأسقفها قد آعد لميعادها ، يشعر بألمها ويحس بإحتياجاتها ، وإن استخدم العكاز فلكى لا تتسرب فى دروب الذئاب ، يعرف كيف ينقذ أولاده من الضيقه ، يرعى قطيعه وبذراعه يجمعها وفى حضنه يحملها ويقود برفق المرضعات ويسند الغنم المشتته ويربضها .

لم يكن القديس كبريانوس نظريا ولا لاعبا بالمنطق على مثال الفلاسفه غير المسيحين ، لكنه قدم الحياه مع الله من خلال خبره الحب الالهى وتقديس النفس فى الحق ، حاشدا لها كل الطاقات البشريه وقواها بعيدا عن النظريات والحدس العقلى ، ومن ثم أعد شعبه لشهاده الدم .

ولم يكن أيضا مؤلفا لنظريات عن الإيمان ، بل عاش هذا الإيمان على أساس يومى، بإعتبار أن الإيمان بدون أعمال والأعمال بدون إيمان هما شيئان مرفوضان معا فى الكنيسه ، فقدم حياه حية ومماتة كنموذج حقيقى إرشاد صادقة وأصيلة ، حينما تطابقت سيرته مع أقواله كصانع حقيقى ” للرساله” شارحا الحق الحقيقى للتعليم مستخدما كلماته على أساس حياته المبنيه على الصخر .

كان القديس كبريانوس جديرا بخدمته وبدرجته الكهنوتيه ، يستخدم كلتا يديه بمهارة كيد يمنى فتحققت فى حياته كلمات الرسول ” بسلاح البر لليمين واليسار ” ( 2كو7:8) يدرب ويرعى كهنته حسنا ، خادما فى حياته وكارزا فى موته شهيدا، آتيا بكل من ينصت إليه نحو المسيح ، مفكرا فى كل واحد ، معتنيا بكل آحدا ، عاملا بآقواله ، ومتلما بأعماله ، عظيما فى الروح ، وسر عظمته فى كونه رساله أبويه رعويه قابله للتطبيق فى عصرنا الحاضر.

وكقائد كنسى قاد كبريانوس أسقف قرطاجنه رعيته ، وحول اولاده ليفكروا ويعملوا ويتصرفوا ويسكلوا ويتقدموا وينموا بحسب الله ويشهدوا شهاده الدم ، بعد ان شدده الله منذ البدايه وهيأه ليوالى عمله الأسقفى والأبوى بشجاعه بين المعترفين فى المحاجر والسجون ، فكان يقوم بدفن أجساد الشهداء الطوباويين الذين كملوا ، بالرغم من الضغوط التعسفيه التى كانت تمارس ضد كل من يفتقد المؤمنين ، إلا ان الله لا يعدم وسيله يقدم بهاء عزاء وثباتا للمضطهديين.

قدم القديس كبريانوس الوصايا حيه عمليه روحيه، مختبرا واقعيه وغنى الحياه الأرثوذكسيه وتقديسها للأنسان وتكريس هذه الظروف كلها لله، معلما شعبه العقيده فى توازن، حتى أنه فى قضيه المرتدين وقبولهم كان يطلب موافقه الكنيسه ورضاء الأسقف وكان أحيانا يبادر فيطلب من الشعب قبول الراجع والتائب ( رساله 53 ) .

وبالجمله ، لقد ترك القديس كبريانوس كنوزا، وكتابات دسمه وغنيه تحدث فيها عن ” وحده الكنيسه” وعن ” الصلاه الربانية” وعن قضايا “المرتد” ، ” الأعمال والصدقات” ،” ثياب العذارى” ، “الموت” ، “فائده الصبر” ، “والحث على الأستشهاد “.

كما ترك ” رساله وداعيه” لشعبه فكانت كتاباته فى مجملها صدى لخدمته ولتدبيره ولآعماله الأسقفيه التى تممها بمحبه وصلاح وشجاعه ممتزجه بنشاط وثبات حتى إستشهد عام 258م .

إننى أقدم هذا النموذج الكنسى والرعوى والبطولى الذى للقديس كبريانوس أسقف قرطاجنه والشهيد ضمن سلسله آباء الكنيسه إكثوس IXOYE لنقتفى أثر قدميه على الطريق سائرين على دروب الرب ، طالبا بركته وصلواته .

ولا يفوتنى أن اذكر محبه وتشجيع أبينا الحبر الجليل نيافه الأنبا أنطونى أسقفنا المحبوب ، الذى يؤازرنا بصلواته وإرشاده، وكذلك مسانده ومساعده إخوتى خدام كنيسه السيده العذراء والقديسه دميانه بدبلن – أيرلندا ونعمه ربنا تشملنه جميعا .

والمجد لله على كل شىء.

القس أثاناسيوس جورج

دبلن- أيرلندا

1999/7/18

الباب الأول

القديس كبريانوس

سيرة القديس كبريانوس

أعمال القديس كبريانوس

ملامح فكر القديس كبريانوس

سيره القديس كبريانوس

يعتبر القديس  ثانى اللاهوتيين الأفارقه الذين كتبوا باللاتينيه بعد العلامة ترتليان ، وكان القديس كبريانوس أسقف قرطاج محبا للوحده متعقلا مدبرا راعيا، لكنه إعتماد كثيرا من الناحيه اللاهوتيه على ترتليان، ويقول جيروم المؤرخ فى كتابه ” مشاهير الرجال “: ” كان معتادا ألا يدع يوما يمر دون أن يقرأ فى كتابات ترتيليان، وإعتاد أن يقول لتلميذه إعطنى المعلم ، وكان يقصد بذلك ترتليان معلمه “.

وهناك العديد من المصادر التى نستقى منها معرفتنا عن سيرته ، وأهمها واكثرها صحه هى كتاباته ورسائله الكثيرة ، ام عن تاريخ القبض عليه ومحاكمته وإستشهاده ، فلدينا ” أعمال إستشهاد كبريانوس” ” Proconsularia Cypriani Acta ”

والموجوده فى السجلات الرسميه ، وأخيرا هناك ” حياه كبريانوس” والموجوده فى عدد ضخم من المخطوطات والمفترض أنها كتبت بيد شماسه بونتيوس  Pontius  الذى شاركه فى منفاه وحتى يوم إستشهاده، فلم يكد كبريانوس الشهيد ينال إكليل الشهاده ، جتى إنبرى شماسه وتلميذه بونتيوس فى كتابه سيرته ، وقد شابهت سيرة كبريانوس فى الكثير منها سيرة القديس أغناطيوس الأنطاكى، فكلاهما أساقفه وآباء وشهداء ، وقد إهتما كلاهما بخدمه الأسقف وعمله، وبوحده الكنيسه وبحتميه سر الأفخارستيا ، وقد تركا كتبابت ورسائل رعويه عديده ، صارت تراثا آبائيا ثمينا.

1) مولده

ولد وثنيا فى أسرة وثنيه ، فى الجزءء الشمالى لأفريقيا حيث قرطاجنه العاصمه الشهيرة ، إلا أن محل وتاريخ ميلاده امر غير محدد على وجه اليقين، إذ كان كاتب سيرته قد أغفل عن عمد ذكر ما يخص حياه أبيه وأسقفه كبريانوس قبل العماد، محتجا بأن تاريخ الأنسان المسيحى لا يبدأ حقيقه إلا منذ وقت ميلاده من الماء والروح، معتبرا ان الحياه الحقيقيه لا تبتدىء إلا بعد المعموديه ، ولذلك تعمد الكنيسه الأطفال سريعا بعد ولادتهم بالجسد لكى يحيوا الحياه الحقيقيه .

ويحتمل أنه ولد فى بدايه الجيل الثالث حيث مدينه قرطاجنه ضمن حدود تونس فى شمال أفريقيا على خليج تونس، وقد وصلت إليها المسيحيه حوالى عام 150 م ثم تولى عليها العرب فى اواخر القرن السابع ، بينما ولد ” ثاسكيوس كبريانوس” حوالى عام 200 م وقبل الإيمان المسيحى عام 246 م.

دبرت العنايه الإلهيه أداه بشريه لتقوده فى طريق النعمه، تلك الداه كانت شيخا فى الكهنوت يدعى سيسليوس بمدينه قرطاجنه ن فوعظه وعلمه وقاده فى الطريق حتى تحولت حياته ، إذ يحدثنا هو نفسه قائلا بأنه كان خروفا ضالا من الحظيرة يتخبط فى الظلمه محروما فى غفله من الحقيقه، حتى قبلته مراحم الله وانعم عليه بالخلاص وولد ميلادا جديدا وترك إنسانه العتيق وطرح الأوثان الباطله وتجددت نفسه وحياته، الأمر الذى كان يعتبره مستحيلا.

وبالرغم من ان كبريانوس لم يسجل إعترافاته كما فعل القديس أغسطينوس ، إلا انه تغنى بيوم عماده وتحدث كثيرا عن بركات المعموديه وعن حياته الجديده، ونحن كذلك نتفق مع بونتيوس- كاتب سيرته  فى تحفظه عند كلامه عن حياه قد دفنت فى ماء المعموديه ، إذ ان الله يصنع من الخطاه قديسين ومن البعيدين أبرارا ودم المسيح يطهر من كل خطيه.

2) حياته الجديده

بعد ان ترك حياته العتيقه وقادته النعمه الألهيه ليصير معمدا حديثا وإنسانا جديدا، تغير تغيرا جذريا فيقول ” بعد أن تعمدت إغتسلت من ماضى خطاياى بفعل ماء المعموديه المجدد، وتدفق نور من السماء فى قلبى التأب ليبيد الشكوك ويفتح النوافذ وتنجلى الظلمه، وما كنت أراه من قبل صعبا، صرت أراه سهلا، وما كنت أظنه مستحيلا صار أمرا واقع، وظهرت لى الحياه الماضيه أرضيه مولوده من الجسد والآن ولدت من الماء والروح، هذا عمل الله “.

عزم كبريانوس بعد معموديته على أن يحيا حياه البتوليه كنذر يقدم به ذاته لله وكعلامة مرضيه قدامه، وكان عزمه هذامؤسسا على حقيقه العدول عن الحياه الحسيه امر ضرورى لإنفتاح القلب والذهن للأمور الإلهيه. فباع ضيعته وممتلكاته – كما يخبرنا بونتيوس – ووزع ثمنها على الفقراء والمعوزين ولم يستبق لنفسه إلا ما هو ضرورى لمعيشته، عالما أن الرحمه أفضل من ذبائح كثيرة .

سعى فى حياه النمو الروحى والوصول الى الله، وترك الأباطيل التى إرتبط بها منذ ولادته، وإنقطع عن الآداب اللاتينيه، مبتدئا فى دراسه الكتاب المقدس والتلمذه على كتابات آباء الكنيسه وخاصه ترتليان العلامة الأفريقى سلفه، ويرى أحد الكتاب إحتمال أن يكون قد شاهده شخصيا، وقد ظهرت تأثيرات تعاليم ترتليان واذحه على القديس كبريانوس فى كتاباته فيما بعد، لاسيما فى كتابيه “الصبر” و “الصلاه الربانيه” …. بل كان يردددائما لتلميذه” إعطنى المعلم” قاصدا بذلك كتابات ترتليان …

نال نعمه المعموديه فى سنه 245م أو 246 م وتسمى فى المعموديه باسم أبيه الروحى سيسيليوس كبريانوس ” ( وينطق فى الغرب سبريانCyprian ) ، وما ان نال كبريانوس نعمه الميلاد الجديد حتى سعى إلى الخلوة والنسك وإكتساب فضائل القديسين مجاهدا ضد إنسانه القديم، فليس أما نعمه الله شىء عجيب .

لم ينسى كبريانوس أبيه سيسيليوس الكاهن، معتبرا أنه قد أخرجه من ظلمه الوثنيه إلى نور المعرفه الحقيقيه، صائرا له تلميذا، حتى أصبح ليس فقط غرسا غضا فى حقل الرب ، بل ثمرة يانعه، فنال نعمه الكهنوت وإزداد فى تواضعه وفضائله وإجتهد فى تعليم الشعب، وكان كبريانوس كاهنا نموذجيا حيا فى كل شىء، كما وصفه تلميذه ” عينا للكفيف” وسندا للعاجز، وناصرا للمظلوم”.

3) أسقفيته

تنيح أسقف قرطاجنه وأخذ الشعب يبحث عن ذلك المعمد حديثا، ولم يكن قد مضى على معموديته إلا ريما ثلاثه أو أربعه سنوات، غير أن الشعب كان يرى فيه فضائل الكاهن وسمات الرئيس، لذا رشحوه للأسقفيه ، ففى أحد أيان 249 م ، هتف الشعب ” نريد كبريانوس أسقفا” .

وقد كانت هناك أختيارت لأساقفه مماثله لإختيار كبريانوس، مثل القديسإمبروسيوس أسقف ميلان، والقديس أغسطينوس أسقف هيبو ، وأساقفه آخرين مميزين فى الكنيسه الأولىن كان صوت الشعب هو صوت الله فى أختيارهم.

وما إن سمع كبريانوس برغبه الشعب هذه حتى إنسحب على الفور فى إتضاع ، حسابا نفسه غير مستحق ولا مستعد حتى لمجرد الدعوة لمثل هذه الكرامه العظيمه والمسؤوليه الجسيمه وفر هاربا.

ويصور بونتيوس هذا المشهد، عندما يروى قصه الجموع الغفيرة التى ذهبت لتأتى به بعد أن أختبأ هو ورفض أن يكون أسقفا ن فحرس الشعب جميع المخارج وحاصروه حتى خضع لنداء الشعب وسلم نفسه إليهم، وسيم أسقفا فى حوالى سنه 249 م .

وبالرغم من أن البعض عاضوا رسامته أسقفا ، إذ لم يكن الاجماع كليا ، لآن البعض رآوا أنه حديث الاايمان وغير أهل للأسقفيه فتذمروا فيما بينهم، إلا أن هذا لم يمنع إراده الله فى أن يصير أسقفا، فلا يأخذ أحد هذه الرتبه من نفسه بل المدعو من الله .

وبالرغم من أن معارضيه نصبوا له شراكا كثيره ن إلا أنه صفح عن إهانتهم بعمق روحى، وصار رأس كل إكليروس شمال أفريقيا ، تلك الإيبارشيه المزدهرة الناميه.

كان كبريانوس فى أسقفيته خادما متشبها بالمسيح الذى جاء ليخدم لا ‘ليخدم ، حافظا لنظام البيعه ، معتبرا أن النظام هو كل ما يسوغ للكنيسه أن تكون جسما حيا لاجثه هامده، إذ هكذا كان كبريانوس يفهم الكنيسه حتى تجسمت قرطاجنه فى عهد حبريته كرأس ومناره بديعه، لإكليروس وتقليدا ورهبنه ،

حرص على إحترام التقليد وإحياء القوانين فى إيبارشيته، إذ أنه كان مدبرا بارعا، وما يتخذخ من أحكام لايترك مجالا للإلتباس، متمسكا بمعالم الطريق الضيق الذى لم يخف عنه، لا ينبذ الخطاه لكن بإصلاحهم وإقنعاهم وإرشادهم ثم بمعاقبتهم بحسب السلطه الأسقفيه التى لم تعط له عبثا .

أظهر القديس كبريانوس تدبيرا كنسيا عجيبا ،وجعل أحد الكتاب يذكر أنه ” ولد ليكون رئيسا فى الكنيسه” ، وذلك لموهبته الخاصه فى “الادارة الكنسيه” ، وقد أكدت سيرته وتدابيره ومواقفه ورسائله على رياده كناسك وكاهن وأسقف ، محبا بلا تدليل ن وحازما بلا قسوة ،فكان مهابا وجليللا.

إعتبر كبريانوس أن الكنيسه مؤلفه من الأساقفه ومن الإكليروس ومن الثابتين فى الأيمان ، لذا يجب أحترام الأوامر الألهيه وحفظها لأنها أساس الكنيسه، والأسقف هو رأس الكنيسه فى تنظيمها وتدبيرها وسط تقلبات الأحوال وتتابع الجيال .

حرص كبريانوس فى إدارته الكنسيه على إخوة الأساقفه وشركة الرسل وعدم المجامله فى مجال العقيده، وكان يميل دائما الى حياه الشركة الكهنوتيه، إذ كان وهو اسقف ، ودون المساس بالرئاسه الأسقفيه ، يأخذ مشورة الكهنه العاملين معه فى كلشىء ويحترم حقالشعب ،وعرف خلال فترة حبرته كيف يجمع بين الحزم واللين مع الكل فى واحد ، ويؤلف بين الحزم واللين والثقه والتقدير لكل العاملين معه .

لم يتساهل كبريانوس فى تنفيذ وصايا الله ولكنه لم يقسو على أحد، لم يكن يفكر إلا فى المسيح ، وفى كونه خادمه، وان عليه ان يتكلم بصراحه وحزم ، ولا سيما إذا كان الأمر يتعلق بالإنجيل وبتقليد الكنيسه وقوانينها، لذا لم يكن يعرف فى الحق صاحبا يجامله أو عدوا يخشاه.

اعتبر أن العصاه والهراطقه هم خارج الكنيسه ن وهم ضد السلام وضد محبه المسيح ، وهم خصوم ومخالفين للمسيح ، فالكنيسه واحده وإذا كانت واحه ، فلا يمكن أن تكون هنا و هناك ، فهى إما هنا أوهناك.

ورفض كبريانوس معموديه نوفاثيان وأتباعه لأنهم لا يمكن ان يعطوا ما لا يملكون،فمعموديه المسيح فى فى كنيسه المسيح ، اما معموديه الهراطقه فهى غير شرعيه وغير قانونيه بل باطله ، ولا توجد إلامعموديه واحده، والعاده الجاريه تقضى بعدم إعادتها، اما من تندنسوا بعماد المنفصلين الهراطقه ، فيجب أن يعمدوا عند رجوعهم إلى الكنيسه بعد توبتهم .

4) محنه الإضطهاد

لم تمضى على أسقفيه كبريانوس أكثرمنعامين حتى شب إضطهاد هائل، يختبر كنيسه أفريقيا الأدبيه والروحيه، فبينما كبريانوس يسهر على رعيته ، يرثى وبتألم ويسند ويرشد ويدبر ، وفيما هوقائم بوعى كامل بوجبات وظيفته الرعويه، لا كرئيس ولكن كشريك فى الضيقه، صدر مرسوم إمبراطورى سنه 250 م بالقضاء على المسيحيه ، فنال كثيرون إكليل الشهاده وضعف البعض مرتدين ، والبعض هربوا ، وآخرون حسبوا معترفين .

ومن جراء هذا الاضطهاد المروع ضعف البعض وبخروا للأوثان وأنكروا ، وكذا لجأالبعض إلى الحصول على شهادات مزورة تفيد بأنهم قد بخروا للآوثان حتى يهربوا من التعذيب والقتل ، والبعض إرتضوا أن تسفك دمائهم من أجل أسم المسيح ، وآخرون سجنوا وعذبوا ليحسبوا مع المعترفين .

لقد أحصت الكنيسه كل من أنكر المسيح وذبح للأوثان فى عداد الجاحدين إلا أنها رأت أن الهرب خير من الجحود، على أساس أن المسيح نفسه إجتاز فى وسط اليهود ، وأوصى تلاميذه بالهرب من مدينه الى مدينه إذا إضطرمت فيها نار الإضطهاد .

لجأ القديسكبريانوس إلى مأوى يمكنه أن يواصل منه تدبير كنيسه قرطاجنه وهى فى أشد الحاجه إليه ، ويحث المترددين على الاعتراف باسم المسيح ….. يشدد من الركب المرتخيه، ويدعو المنشقين إلى وحده الكنيسه وسلامتها ، والمخالفين إلى ناموس الحياه الإنجيليه .

وظل يقود الكنيسه من مخبئه ويكتب الرسائل وهو غائب عنها بالجسد .

يشدد ويشجع المعترفيين ، ساعيا بالكنيسه كلها الى الخلاص والثبات فى الايمان ، وكان يفتكر فى كل شىء ، ويوصى بزياره المسجونين من أجل الإيمان ، هؤلاء المعترفين الذين عذبوا وطروحوا فى السجون ليقربوا الذبيحه عند المسجونين، وأن يقوموا بهذه الخدمه الى إلهاماته التى خصه الله بها ، فقد حرص ألا يخفى شيئا أو يحتفظ به لنفسه مما يمكنن ان يفيد جميع الناس .وكانت رسائل القديس كبريانوس فى إدارة كنيسته المجاهده لا تخلو من اللوم ، لانه يعرف أن يصلى وساعد المحتاجين ، يعرف أن يعظ ويعلم وأن يمدح ويكرم الذين صبروا وقاموا فى حين إستسلم كثيرون .

وقد أدى هذا الهروب المقدس الذى صنعه القديس كبريانوس إلى تمتمات عديده من المنشقين ، لكن كبريانوس كان يشتاق فى أعماقه إلى ” معموديه الدم ” حتى انه كتب فيما بعد رساله عن الإستشهاد ،بل كان يتقدم، كما يقول تلميذه ، بخطى سريعه نحو الإكليل المعد له ، فالذى يختبىء إلى زمان، ويظل أمنيا للمسيح ، لا يكون قد أنكر الإيمان بل يثبت حتى يحين الوقت المعين له ، ويرى بونتيوس ان معلمه قد حفظه وقتذاك ” بأمر من الرب “.

رفض كبريانوس ان يحل مسأله رجوع الجاحدين بدون مجمع الإكليروس ورضى شعب المسيح ، ورأى ضرورة التريث فى قبولهم مع تقديمه توبه، إذ كان هناك كهنه قبلوا ” الجاحديدن ” بدون إستشارة الأسقف وبدون إستخدام قوانين التوبه، وأذنوا لهم بتناول جسد المسيح فعاودا سريع ابدون إعتراف وتوبه فكانت سرعه إعاادتهم إلى حضن الكنيسه كسرعه جحودهم لها .

وهكذا كانت المخاطر تحيط بإيبارشيه قرطاجنه من داخل وخارج، مخاطر الإضطهاد ومخاطر فئه الجاحدين، حيث إختلطت الحنطه بالزوان، والقمح بالتبن فى بيدرالقديس كبريانوس، ليس هذا فحسب بل بدات متاعب الشقاق من ناحيه أخرى تستشرى فى جسم كنيسه قرطاجنه ، إذ ان معارضى رسامه كبريانووس أسقفا إنتهزوا فرصه هروبه، وزكوا الشقاق متخذين من مسأله ” قبول الجاحدين” فى شركة الكنيسه فور رجوعهم وبدون ممارسه قوانين التوبه ،ذريعه لدعوتهم إلى الإنفصال عن رئاسه القديس كبريانوس .

بعد فصح سنه 251 م عاد كبريانوس إلى مقر كرسيه فى قرطاجنه ، وقد هدأ الإضطهاد وحان لكنيسه افريقيا ان تكرم شهدائها وتجمع ” المعترفين” حول أسقفها الذى عالج مسأله الجاحدين وبدأ رسالته بهتاف الفرح قائلا ” ها هوذا السلام قد عاد إلى الكنيسه “، وأثنى على من إعترفوا بالإيمان وشمل ثناؤه أولئك الذين هربوا من وجه الإضطهاد ، لأنهم أظهروا بذلك عزم إرادتهم على عدم الجحود، وبعد أن تكلم عن سروره وإفتخاره ، أظهر تألمه من أجل الميسحيين الذين سقطوا، فالراعى مصاب بجراح الرعيه، وكل من يقرأ رسالته المفعمه بشده عواطفه التى عبر عنها بالألفاظ اللاتينيه التى كان يجيدها، لابد أن يحنى رأسه ويتأمل فى كنيسه أفريقيا وهى تعترف باخطائها .

وإمتزجت رسائل القديس كبريانوس الرعويه بنصيب من المديح ونصيب من التوبيخ ، مفكرا فى ساعه وقوف شعبه أمام المسيح فى منتهى الدهر حيث الدينونه، كذلك يدعو شعبه من حفظوا الإمان شهداء

( مؤمنيك إحسبهم مع شهدائك ) ويدعو من جحدوه أن يسلكوا طريق التوبه للحصول على المغفرة ، ويختم القديس كبريانوس رسالته بدعوه الجاحدين ليقفوا موقف التأئب المتواضع، فكل خاطىء يجب أن يعترف بخطاياه ويعود تائبا ، لأن التائبالحقيق يمكنه ان ينال من الله الغفران لينال فرصه أخرى للجهاد وللحصول على إكليل الإستشهاد الذى داسه من قبل بقدميه، كمانه قد ترك باب المصالحه مفتوحا فى وجه الجاحدين، مع تذكيرهم بما يتطلبه الإنجيل من لزوم التوبه وقانونيه الجهاد الروحى .

لقد كان أساقفه أفريقيا يدركون مفهوم الخطيه، ويتمسكون بأن يرسخوه فى أذهان الشعب ، عندما سمحوا للجاحدين الموثوق بتوبتهم بالعوده الى الكنيسه لكى يتمكنوا من الإستعداد للجهاد ، وكان الدخول فى شركة الكنيسه هو حقا وفعلا قبولها إشتراكهم فى جسد المسيح ودمه، وقبول الإشتراك فى السر سيجعل المشترك عضوا فى الجسد السرى الذى هو كنيسه الله، فكيف ندعو هؤلاء الجاحدين ليبذلوا دمهم للإعتراف بإسم المسيح ، إذا حرمنا من يستعدون للجهاد من التناول من دم المسيح؟ كيف نعدهم لشرب كأس الإستشهاد دون أن نقبلهم قبلا من الكنيسه للإشتراك فى كأس الرب؟.

حرص القديس كبريانوس على عيش وتأكيد وظائف أمومه الكنيسه الثلاث بقوله : “الكنيسه تلدنا ، الكنيسه تربينا ، الكنيسه تؤدبنا ، فهى لنا حضن أبوى ، حضن أبوى ن ومائده وروح عائلى، لذا ساعد الجاحدين الراجعين ليقدموا التوبه المساويه ولمناسبه حسب الحق الإنجيلى ،وعقد مجمعا عرف بمجمع قرطاجنه لتقنين رجوعهم .

ولقد إحتمل القديس كبريانوس كل ما يمكن إحتماله ، معتبرا أن الطعنات لاشك ليست من المسيح ، بل من عدوه ، عدو الكنيسه الذى يريد أن يغرقها فى الإضطهاد والإنشقاق والعصيان والأوبئة . وقد أتم القديس كبريانوس جهاده كما قال القديس أغسطينوس ” إن دم الشهيد كبريانوس قد تم فيه ما كان قد بدأه ماء المعموديه “.

5) محنه الوباء

إنتشر فى عام 252 م وباء الطاعون ، فنظر الأسقف بعين الأبوة الحانيع ونزل ليعتنى بأولاده ، ويقول تلميذه أنه كان ” طوبيا” زمانه ، دون أن يفرق بين مؤمن وبين غير مؤمن .

وعندما حل الوباء، جمع كبريانوس القطيع وخاطبهم ودعاهم إلى البذل وإلى مساعده كل إنسان مسيحيا أو غير مسيحى ، وأكد على هذه النقطه ، مذكرا إياهم بأن شمس الله تشرق على الأبرار والأشرار، لأننا إذا أحببنا إخوتنا وحدهم، بقينا ععلى مستوى الوثنيين ” فهلموا وكونوا بطيبتكم أهلا لطيبه أبينا السماوى “.

وأخذ كل واحد يبذل جهده ليرضى الله الأب والمسيح الديان، ويسر الأسقف الغيور ، مكانت المساعده تتجه رأسا إلى كل محتاج ولا يتقدم أو يتميز عندها مسيحى على وثنى، حيث قوة الرجاء حيه فيهم وصلابه الايمان وهم أمام عالم ينهار ويخرب، فبقيت أرواحهم صامده، وشجعاتهم غاليه، ونفوسهم واثقه دائما بالله وصبرهم لم يفقد الفرح .

أوصى كبريانوس شعبه بضرورة تقديم الصدقات واعمال الرحمه لأنها تغفر الخطايا، كما حثهم على البذل والسخاء ن فسعاده المسيحى هى السماء ، ومكان محنته الأرض ، والممر من المحنه الى السعاده هو الموت ، ونحن مع ذلك نخاف ان نمضى الى السعاده، ولماذا هذا الخوف؟ لأنه ينقصنا الإيمان ، إننا فى بيت الإيمان فى الكنيسه وليس عندنا إيمان .

6) الإضطهاد الثانى

أثير الإضطهاد على المسيحين فى عهدهذ القديس مرتين : االأولى بأمر الإمبراطور داكيوس عام 250 م والثانيه بامر الإمبراطور فالبريان عام 257 م، وكان كبريانوس يرى عظم الفائده الروحيه للمؤمنين من هذه الإضطهادات ، لإذ أنه أعتبر أن السلام الذى كانت الكنييسه قد تمتعت بع قد أضعفروح التيقظ والمجاهرة بالإيمان عند الكثيرين بما فيهم حديثى الإيمان ، ودب فى قلوبه الجميع إرتخاء روحى، لذلك لما أمتحنت فضائلهم فى محنه الإضطهاد الأول اعوزت الكثير منهم الشجاعه ليواجهوا المحاكمات .

ويقول الشماس بونتيوس عن إختفاء كبريانوس فى فترة الإضطهاد الأولى أن ما حدث بعد أختفائه قد أثبت انه لم يكن جبنا بل انه بالحق كان إلهيا، لنه لم يختبر الإستشهاد لخلاص نفسه وحده بل إختار الإختفاء لمنفعه الرعيه ، معتبرا أن أكليل الشهاده سيعطى له بنعمه الله ولا يمكن ان يناله قبل الوقتالمعين ، فالذى يعتزل لوقت ما ويظل مخلصا للمسيح لا ينكر إيمانه ولكنه فقط يؤجل وقته المعين له .

لقد عالج كبريانوس جراحات شعبه فى فترة إختفاءه بالدواء السمائى ، كما انه يحمل طبيعه الجراح تارة بالتضميد وتاره بالقطع ، وهكذا حفظت العنايه الإلهيه هذا الأب الروحانى الملىء بالفضائل ليقود دفه الكنيسه رغم عنف الانشقاقات من الداخل ورعب الإضطهادات من الخارج .

لقد إستبقته الخطه الإلهيه بتدبير سمائى، فمن كان سيقيم من المسيحيين مثل هؤلاء الشهداء العظام برسائله وعظاته الذهبيه؟ ومن كان سيشجع معترفين هذا عددهم ليختم قلوبهم للرب حتى حفظوا أحياء خالدين فى المسيح لآنه ألهب غيرتهم كما ببوق سمائى .

شدد كبريانوس عزائم رعيته برسائله المتواليه، معتبرا أنهم الأصيلون فى الإيمان وأحباء السيد المسيح ، موصيا إياهم ألا يبغضوا مضطهديهم بل يصلوا لأجلهم ويحبونهم ، فأنتفعت الكنيسه من عدم تسليمه نفسه للموت ، فقد أراد الرب تاجيل ذلك لمده سنه ، ليكرس كبريانوس العنايه للذين فى السجون وليحث كهنته أن يزورهم ويعطوهم سر الشركة المقدسه فى زنزاناتهم ، وكم إعتنى بأجساد الشهداء وأرسل فى الليل من يحملون اجسادهم ويدفنونهم وكم كان يؤازر الذين تحت العذاب ويساعد أهاليهم .

اعتبر كبريانوس ان الإضطهادات والعذابات هى ازمنه ” ضد المسيح ” ( 1 يو 2 : 18 ، 2 يو 7 ) المشابهه لأواخر الأيام ، ومن ثم أعد القلوب وشجع نفوس أولاده ليكونوا جنودا للمسيح ، وليكووا مستعدين للجهاد السمائى . يثبت إيمانهم ويسلحهم بكلمه الله ،ويعد شعب الله الذى أؤتمن عليه ليكون كجيش فى المعسكرالسمائى يواجهه سهام وأسلحه الشيطان، فلايمكن لمن لم يتمرن على القتال أن يكون جنديا صالحا للرب أو أن يفوز بإكليل الجهاد .

ويذكركبريانوس أن أبليس عدوناهو عدونا القديم ذلك الذى نصارع ضده ، فالقديم سدد أول هجماته على النسان،ومنذذلك الحين تحنك وأختبر كل فنون وفخاخ التجارب التى يلقيها علينا ، وإذا وجد جندى المسيح غيرمعد وغيرمهىءوغير مبال او ساهر بكل قلبه ، فهو بطرقه وبخدعه فى جهالته وغفلته ، وأما الإنسان الذى يحفظ بوصايا الرب فى سلوكه ويظل ملتصقا بالمسيح بشجاعه فلابد ان يغلب عدوه، لأن المسيح الذى يحيا فى المؤمن المعترف به لا يقهر !!

وينادى كبريانوس اولاده قائلا:” هاانا أرسل لكم ثوب الأرجوان للحمل الحقيقى الذى فدانا وأحيانا، لكى نفصلوه لآنفسكم فيصير ثوبا خاصا بكم لآن الذين أتوا من الضيقه العظيمه قد غسلوا ثيابهم وبيضوها فى دم الخروف (رؤ7:14) ” وذلك حتى يتغطى عرينا القديم بثياب المسيح ثياب تقديس النعمه السمائيه” .

وينبه كبريانوس شعبه قائلا : ” لقد إختبرنا ، بتدبيرالرب ، المعموديه الأولى ،فليكن كل واحد منا مستعدا للمعموديه الثانيه أيضا ن متيقنين ان نعمتها أعمق وقوتها أعظم وكرامتها أثمن من الأولى ، إنها تلك التى يعمد بها الملائكة الشهداء : معموديه الدم التى يتمجد بها الله ومسيحه، المعموديه التى لا يخطىء بعدها أحد ، المعموديه التى تكمل إيماننا ، المعموديه التى إذ نتسلح فيها من العالم نتحد فى الحال بالله ، فى معموديه الماء ننال غفران خطايانا ، اما فى معموديه الدم فننال إكليل كل الفضائل ، هذا الذى نحتاج أن نتوسل طالبين إياه فى كل تضرعاتنا حتى نصير نحن – خدام الله- أحباء الله “.

ويشجع القديس كبريانوس شعبه على الإستشهاد معتبرا أن الذى فينا أعظم من الذى فى العالم ، وأن الرب وعدنا بالأمان والحمايه ، ذاكرا عنايه الله بنا والتى هى أقوى من كل هجمات العدو ، مع ععرضه مكافأه الرب للشهداء والجزاء الذى يفوق بلا قياس آلامهم ، قائلا :” فى الأستشهاد نغلق أمامنا الأرض ونفتح أمامنا السماء ، ضد المسيح يهدد ولكن المسيح يحى، الموت يقترب منا ولكن يتبعه الخلود ، حياتنا الزمنيه يقضى عليها ولكن حياتنا الأبديه تصير مضمونه ! أى مجد هذا عندما نذهب من هنا فرحين ونرحل ممجدين بين الضيقات والعذابات ! ففى لحظه نغلق عيوننا التى نرى بها البشر والعالم ، وفى الحال نفتحها لنتطلع إلى الله ومسيحه! أى تصور لهذا الرحيل المبارك ! إنك تنزع فجأه من الأرض لتوضع فى المكلوت السمائى “.

ويؤكد كبريانوس على الجعاله السامائيه وعظم تقدمه الإستشهاد وقبولها لدى الله بإيمان غير فاسد وفضيله راسخه وقلب مكرس ومقدس ، تلك التى تجعلنا نرافق الرب عندما ياتى فى الدينونه ونقف بجانبه عندما يجلس ليدين ، ونصير شركاء ميراث المسيح ونتساوى مع الملائكة والآباء والرسل والأنبياء ، ونفرح بإمتلاكنا الملكوت السمائى .

عندما علم القديس كبريانوسفى منفاه أن بعض الكهنه قد قبض عليهم وساقوهم إلى المحاجر وإلى مناجم الذهب والفضه ، وأنهم يسخرونهم كالعبيد الأسرى فى تلك الأشغال الشاقه ويموت منهم الكثيرون من شده العذاب ، كتب إلىهم يعزيهم قائلا :” لا عجب إن كان الولاه قد أرسلوا إلى مناجم الذهب والفضه آنيه كريمه من الذهب والفضه ، ولكن العجب هو فى كون تلك المناجم التى إعتادت أن تعطينا هذه الكنوز الثمينه صارت هى تأخذ منا ن لقد وضعوا الأغلال فى أرجلكم وشدوا الوثق فى أجسادكم التى هى هياكل الله الحى ،، ولكن هل إستطاعوا أن يوثقوا نفوسكم ؟ هلى إستطاع حديدهم أن يمتد بصدئه على ذهبكم ؟ إن أغلال الشهداء لا تعيرهم ، بل إن أغلالكم هى أكاليل لكم ، يا أيتهما الأرجل المكبله بالأغلال ! ليس من بشر يفك قيودك بل الله بنفسه هو الذى يحلها “.

ولما علم كبريانوس أن مطرقه من خشب سقطت على ظهر أحد الشهداء ناعتبر أن هذه الخشبه يجب أن تذكرنا بخشبه الصليب لذا صار طبيعيا أن يبلغ المسيحى إلى الخلاص بالخشبه وأن يحكم على المسيحين أن يعملوا فى المناجم ، كذلك يساند كبريانوس أبناءه حتى لا يحزنوا من حرمانهم من القربان المقدس ، لآنهم صاروا هم أنفسهم قربانا مقدسا مقبولا عند الله “.

وهنا نقدم الرساله الوداعيه لهذا الأسقف الجليل :” كبريانوس الى الكهنه والشمامسه وكل الشعب

سلام

عندما علمت أيها الأحباء أن الجنود أرسلوا ليحضرونى إلى أوتيكا ، شجعنى الإخوة أن انسحب ، ذلك أنه يليق بالأسقف أن يعترف بالرب فى نفس المدينه التى يرأس فيها كنيسه الرب ، كى يتمجد الشعب كله بإعتراف أصقفهم فى حضورهم ، لأن كل ما يقوله الأصقف المعترف فى لحظة إعترافه وشهادته إنما يقوله بفم الجميع بوحى من الله ، لكن كرامه كنيستنا المجيده سوف تنتقص إن كنت – وانا أسقف مقام على كنيسه أخرى – أنال حكمى وأعترافى فى أوتيكا ، وامضى من هناك شهيدا للرب ، بينما اطلب بتضرعات دائمه واتوسل بكل طلباتى لآجلى ولأجلكم كى أعترف وسطكم ، وأن أتألم وسطكم ، ثم إنطلق إلى الرب كمايجب على .

لذلك هنا فى ملجأى انتظر وصول الحاكم عائدا إلى قرطاجنه كى أسمع منه ما امر به الأباطرة بخصوص المسيحيين العلمانيين والأساقفه، وكى أقول ما سوف يريد الرب أن يقال فى تلك الساعد .

لكن أحفظوا السلام والهدوء أيها الإخوة الأحباء حسب الذى تسلمتموه من وصايا الرب ، وحسب ما تعلمتموه من عظاتى ، ولا تدعوا أحدا منكم يثير أى متاعب للإخوة او يقدم نفسه بإرادته للأمم ، بل عندما يقبض عليه ويسلم ،عندئذ ينبغى أن يتكلم بقدر ما يتكلم الرب الساكن فينا فى تلك الساعه . اما عمايجب أن نفعله حتى يحكم على الحاكم أن أعترف بأسم الله ن فسوف نقرره معا فى الوقت المناسب بحسب تعليم الرب .

ربنا يفظكم سالمين آمنين فى كنيسته . ليكن ذلك برحمته .

كبريانوس

آسقف قرطاجنه

7) إستشهاد القديس كبريانوس

فى محنه الإضطهاد الثانى عام 257 م صدر مرسوم بإعدام رجال الدين المسيحى ، وعندما سمع الحاكم الرومانى لشمال أفريقيا بامر قاليريان الإمبراطور ، أمر بالقبض على كبريانوس الأسقف الذى أعلن أنه مسيحى وأسقف .

وكانت الشرطة تريد أن تنقله إلى اوتيكا عند الوالى ، إلا ان كبريانوس أراد ان يعلن إيمانه حيث موطن جهاده بقرطاجنه حيثتم القبض عليه وإحتشدت الجموع ليحوطوا أسقفهم بصلواتهم ووفائهم .

وفى الصباح مضى به الجند إلى الوالى ومروا فى طريقهم إليه بأحد الملاعب ،لإاتخذ بونتيوس تلميذه من ذلك صورة واقعيه ليبين ان كبريانوس كان يجرى فى سيره نحو المسيح جرى المصارعين المجاهدين ،ويصف بونتيوس مشاعرأسقفه الأخيرة ، وكيف انه كان يتوق إلى معموديه الدم ، وكيف كان يردد ” هناك .. فوق فقط ، السلام الحقيقى ، الراحه الأكيده ، الدائمه ، الثابته … الأمان الأبدى … هناك بيتنا ، ومستقرنا ، فمن لا يسرع إليه “.

وبعد القبض عليه قضى كبريانوس مده سنه فى المنفى، ثم أكمل شهادته بقطع رأسه ، وصار له المنفى مثلماكانت بطمس ليوحنا الحبيب مدالا للرؤى الإلهيه والتعزيات ، حيث راى ما هو عتيد أن يتحدث له ، وفى أثناء نفيه كتب الكثير عن الأستشهاد من خلال معايشه حيه ، على نحو يخزى هؤلاء الذين إفتروا عليه فى هروبه أثناء الإضطهاد الأول .

وبعد سنه من النفى أعادته السلطات المدنيه إلى قرطاجنه ، حيث ثبت وجهه نحو يوم عرسه وإكليله الذى كان يقترب منه بسرعه ، فكان يزداد لهفه وإشتياقا لأن يموت داخل المدينه التى كان يرعاها حتى يكمل خدمته الأسقفيه بختم دمه المسفوك، إذ أعتبر استشهاده خارج المدينه جرحا لشرف كنيسته

( رسالته رقم 18 ) .

لهذا حقق الله سؤال قلبه ، ففى يوم 13 سبتمبر لعام 258 م تم القبض عليه ن حيث خرج معع العسكر بروح عاليه ونظرات باشه تعكس شجاعه وسلام الأبطال ، وهكذا سار موكبه بعد أن أركبوه فى مركبه ودلسوا يمينه ويساره ، ليصير حتى فى يوم إستشهاده فى صورة رسميه كما يقول بونتيوس

وإنتشر الخبر فى المدينه فهرعت الجموع وتاقطرت حول راعيها لتحوطه بوفائها وسهرها وهو فى طريقه إلى المجد الأبدى ، حيث أحاط بالقديس كبريانوس جمع غفير وعسكر بلا عدد حتى أن بونتيوس يقول ” إنهم كانوا كغازين للموت نفسه !!”.

وكان الحماس يتقد فى قلوب رعيه قرطاجنه حتى بدوا فى سيرهم وكأنهم يركضون ، فالشوق والفرح والحزن والوفاء والغيرة إختلطت معا فى صدورهم ،وكأن كنيسه إيبارشيتهم جالسه على رابيه الجلجثه تسجل على قلبها أفخر تيجانها وروح أسقفيه شفيعه عنهم جميعا ، وعيونهم ساهمه شاخصه إلى ما وراء قرطاجنه والأرض كلها ، نحو السماء موطن الشهداء المعد .

وفى هذه الملحمه إلتأمت جماعه المؤمنين والكهنه يودعون أسقفهم …

يتعانقون والدموع تذرفمنعيونهم ذرفا وبدا الموقفرهيبا والصمت يخيم على الجميع ، وكبريانوس فى وسط الجماعه ، شامخ فى هدوئه ورزانته متحليا برجاء وايمان يفوقان الوصف !!

لقد خط هذا الركب على جنبين الكنيسه لحنا حزينا مجيدا صادقا إمتزج بالعباده والتسبيح والإستعداد للشهاده ،وتوج جبينها بتاج مجد على رأسها مرصع بالدموع وبقلاده بطوله حمراء لجهاد مظفر فى ساحه الإستشهاد عبر الأجيال . فبينما تضطهد الكنيسه ، كانت تجدد بقوة كل صباحن وروح الله يلم شملها ويوحد صفوفها فيعلو صوتها وتزداد هيبتها نموا .

وعندما وصل الركب إلى دار الولايه، حيث كان اليوم حارا والسير مجهدا ، كان كبريانوس غارقا فى عرقه ، آخذا منه الآعياء كل مأخذ، فتقدم إليه أحد الضباط ليعرض عليه ملابس جافه ، مؤملا أن ينال ثياب الأسقف ليحتفظ بها ككنز من شهيد عظيم ، لإلا أن كبريانوس الذى وشك أن يسفك دمه برضى كامل ، لم يهتم بعرق الجسد المتصبب، إذ أن الذى يسفك دمه لا يحسب لعرقه حسابا .

ودخل طبرسانوس أحد غرف دار الولايه ، وهناك جلس على كرسى تصادف أنه كان مغطى بالكتان ، وعلى الفور يعلق بونتيوس على ذلك قائلا أن النعمه الإلهيه أرادت ان يكون كاهن الله متمتعا بكرامه الأسقفيه حتى وقت آلامه . وما هى لحظات حتى مثل القديس كبريانوس أمام الوالى جاليريوس فى محاكمه وقرأ الوالى الحكم هكذا  ” لقد عشت طويلا فاسد المذهب ولم تضح للأوثان ونصبت نفسك عدوا لآلهه الرومان وخالفت الأباطرة فاليريان وجاليان ولم يردعوك، وجمعت حولك شركاء كثيرين فى رفقه غير شرعيه وصرت قائدا لهم لذا ستصير عبره لم أغوتهم بمثلك وسيصير دمك تثبيتا لشرائع الإمبراطوريه وعنئذ يسود النظام”.

وعنئذ نطق بالحكم على القديس كبريانوس الأسقف ” قضت المحكمه بإعدام كبريانوس بحد السيف ” . وعندئذ سمع كبريانوس هذا الحكم ، كأنه يقدم ذبيحه القداس الإفخارستيه ،فمثلما يقول عند ختام الذبيحه الإلهيه قال ” الشكر لله ، أشكر الله وأباركه” . فالشهيد ير فى سر الإفخارستيا شركة فى موت الرب وقيامته ، لذا مسيرة الشهيد متماثله تمام مع وليمه العشاء السرى نفهى مقل الإفخارستيا تستمد كل قيمتها من آلم الرب .

لذا قدم القديس كبريانوس إستشهاده كما لو كان ذبيحه إفخارستيا ، فقوله ” الشكر لله” إنما هو تعبير إنتقاه لوصف الإستشهاد له نفس الصدى الليتورجى، وهكذا يبدو الإستشهاد لكبريانوس مثل تقدمه ليتورجيه جماعيه …..

إنها أعظم شهاده من هذا الإنسان الوثنى الموعوظ الكاهن الأسقف والشهيد ، إنها شهاده إلهيه عندما أعطى نفسه مثالا لشعبه فى الشهاده لأجل فاديه . ولما سمع الم}منون الحكم صاحوا قائلين ” لتقطع رؤوسنا معه ” كدليل على تعلقهم براعيهم .

إنه الإيمان الذى نقل الجبال ، إيمان الشهاده الجماعيه والفرديه لاسم المسيح ، واليوم أنبت إيبارشيه قرطاجنه بكل طغماتها وخوارسها لتعاين كبريانوس أسقفها وهو يقدم نفسه ذبيحهن إنه إيمان الشهداءيسلم لأبناء الشهداء ، وهو فيهم لكنز سمائى ، يدفعهم ليطلبوا أن يقدموا نفوسهم للإستشهاد مع راعيهم وأسقفهم الشهيد الذى مات ميته مجد الله بها ( يو 21 :18) وكأن كل إنسان فى تلك القرون الأولى كونه يكون مسيحيا معناه ان يصير شهيدا إن لم يكن بالفعل فعلى الأقل فى قلبه ” إنى بإفتخاركم الذى لى فى يسوع المسيح ربنا أموت كل يوم ” ( 1كو 15:13).

تبعته كل هذه الجموه إلى مكان الإعدام حيث أقتيد خارج المدينه وسط حشد لا يحصى، بعضهم تسلق الشجر لتوديع أسقفهم ، وهرع آخرون يتسلقونها كما فعل زكا من قبل ، لكى يشاهدوا ” موت المسيح فى شخص الأسقف أيقونه المسيح” كما يقول بونتيوس ، والعجيب أن هذا الراعى الساهر ، حتى فى أثناء سيره هذا، لم ينسى فى زحمه الركب أن يواسى الفقراء والبائسين ويشجعهم ويوصى بهم !!.

تاركا وراءه شعبه الحزين يبكى ويصلى ويترسم خطاه، ويردد أصداء تعاليم أسقفه المزمع أن ينال إكليل الشهاده ،متمنين أن يشاركوه فى هذا النصيب الياهر ليصطبغوا بالدم ويعبروا .

وعندما أتت لحظة الأنطلاق خلع كبريانوس ثياب الحبريه وأعطاها للشمامسه، وألقى كلمه صغيره مشجعا ومعزيا شعبه ، وجثا على ركبتيه مصليا ، ثم رأى أن السياف المكلف بتنفيذ الحكم كان يحمل السيف مرتعدا، فأعطاه 25 قطعه من الذهب تشجيعا له ، ثم عصب عينيه بذات يديه مسلما ذاته ليد ربنا يسوع المسيح رئيس كهنه الخيرات العتيده ، وهرع أولاده يفرشون ثيابهم ولفائف ومناديل من تحته ليلتقطا بها دمه الطاهر بركه لهم . وأخيرا قبض السياف بيده المرتعشه على سيفه لتأتى اللحظة المعينه من الله ليتمم مسره الله فى قديسه ونفذ الحكم .

وتدحرجت رأس كبريانوس الجسديه على الأرض وصعدت روحه منطلقه مبتهجه متهلله إلى مسيحها لترث نصيبها المعد لها مع الشهداء ، وليكون أول أسقف يستشهد فى مقاطعته سائرا على طريق الرسل، وستظل أسقفيته ورسائله باقيه حيه تحمل لنا أغلى ذكرى لأفخر أيام فى تاريخ أسقف شهيد من القرن الثالث الميلادى .

وهكذا رأى الشعب أحاديث راعيه وعظاته عمليا امام عينيه ليس كلاما او كتابه، وإنما دما وفعلا ، وصار كبريانوس أول أسقف يصبغ تاجه الكهنوتى بدم الإستشهاد فى قرطاجنه، وهكذا توج كل أعماله المقدسه بأن زين شاره كهنوته السمائى بدمه الثمين.

ثم حمل المؤمنون جسده ليلا بالشموع والمشاعل والصلوات بمشاعر النصره إلى مقره الأخير ، وبعد أيام قليله مات الوالى جاليريوس الذى حكم عليه ، وبنيت بعد ذلك كنيستان واحده فوق مكان إستشهاده والآخرى عند مكان دفنه ، وهكذا ظل أسمه ويوم إستشهاده محفوظين فى ذاكرة الكنيسه التى تحتفل به حتى الأن .

هذا وقد ألقى القديس أغسطينوس فى ذكراه خمسه عظات مازالت باقيه حتى الان ، وتحتفل الكنيسه الرومانيه بذكرى إستشهاده ، أما فى الكنيسه القبطيه ،فقد حدث خلط بينه وبين أسقف أنطاكيه الشهير بكبريانوس الساحر من قبل بعض الكتاب .

بركه الشهيد كبريانوس فلتكن معنا آمين .

أعمال القديس كبريانوس

كان النشاط الأدبى للقديس كبريانوس مرتبطا إرتباطا وثيقا بحياته ، وقد كتب أعماله كلها لآجل مناسبات معينه ولخدمه أهداف رعوييه عمليه ، إذ كان كبريانوس رجل عمل يهتم بإرشاد وتدبير النفوس أكثر مما يهتم بالمباحاثات والمجادلات اللاهوتيه ، وكانت حكمته العمليه تتجنب المبالغات التى أضرت بالعلامه ترتليان ، وكانت لغته وأسلوبه أكثر وضوحا ورقه من ذلك الخير ، وتوضح تأثره الكبير بلغه وتشبيهات الكتاب المقدس ، لكن إعجابه بترتليان واضح جلى من حقيقه أن هذه الكتابات تجسد أفضل أفكار معلمه ترتليانن وفى العصور الوسطى كان كبريانوس واحدا من أشهر الكتاب ، ووجدت كتاباته فى عدد ضخم من المخطوطات .

ولدينا ثلاثه قوائم قديمه بأعماله ، الأولى موجوده فى سيرته التى كتبها شماسه بونتيوس Pontius الذى يصف فى الفصل السابع فى شكل أسئله محتويات الإثنى عشر كتابا كما تظهر فى المخطوطات القديمه .

والقائمه الثانيه نشرها مومسن Mommsen من مخطوطه رقم ( No. 12266 s.X ) فى مكتبه فيليب فى شيلتينهام عام 359 م ويذكر أيضا عددا من الرسائل .أما القائمه الثالثه فنجدها فى عظه للقديس أغسطينوس عن القديس كبريانوس نشؤها ج . مورين G. Morin.

أ) الكتب

1) إلى دناتوس To Donatus

هو أقدم كتابات القديس كبريانوس ، وقد أسله إلى صديقه دوناتوس ، يصف فيه التأثير الرائع للنعمه الإلهيه فى قبوله للإيمان المسيحى ، التى قادته خلال سر التجديد من الفساد والعنف والربربيه التى للعالم الوثنى ، ومن العمى والخطايا والشهوات التى لحياته الشخصيه السابقه ، إلى سلام وفرح إيمانه المسيحى ، وهذا العمل يذكرنا بإحدى إعترافات القديس أغسطينوس عندما ” يعترف” كبريانوس بسقطاته وفى نفس الوقت يعترف بمجد الله .

وإذ كتب بعد معموديه كبريانوس بفتره قصيرة ، والتى كانت فى الغالب فى عشيه عيد القيامه عام 246 م ، لذلك لا يكتفى الكتاب بتبرير وشرح أسباب قبول كبريانوس للأيمان المسيحى ، بل يدعو الآخرين أيضا ليتبعوا نفس مسلكه .

2) ثياب العذارى In the Dress of Virgins

كأسقف مهتم بالتلمذه المسيحيه ، يخاطب كبريانوس فى هذا الكتاب العذارى ويعلمهن عن مخاطر العالم الوثنى بكل شروره وأباطيله التى تحيط بهؤلاء اللاتى كرسن حياتهن للمسيح ، وعرائس المسيح يجب أن يلبسن ثيابا بسيطه ويبتعدن عن المجوهرات والتزيين بالمساحيق التى ليست إلا إختراعا من صنع الشياطين .

وإذا كانت العذارى ثريات، فيجب أن يستخدمن غناهن ليس لمثل هذه الأمور ، بل لأجل أهداف صالحه ، مثل مساعده الفقير ، وستجد أسها القارىء العزيز عرضا شاملا لهذا الكتاب كله فى القسم الخاص بفكر القديس كبريانوس .

وفى الغالب كتب القديس كبريانوس هذا العمل بعد سيامته الأسقفيه عام 249 م بزمان قليل ، والمصدر الأساسى الذى اعتمد عليه كبريانوس هو كتاب ترتليان 1 ” عن ثياب النساء De Cultu Feminarum” .

وقد امتدح القديس أغسطينوس هذا العمل وأسلوبه واعتبره نموذجا يجب أن يقتدى به الواعظون .

3) عن المرتد

كتب كبريانوس هذا العمل بعد عوته من مخبأه أثناء إضطهاد ديسيوس فى ربيع عام 251 م ، وبعد أن يشكر الله على إعاده السلام ، يمدح كبريانوس الشهداء الذين قاوموا العالم والذين قدموا مشهدا مجيدا فى عينى الرب وكانوا مثالا وقدوة لإخوتهم ، وعلى أيه حال ، سرعان ما يتحول فرحه إلى حزن بسبب سقوط الكثيرين أثناء الإضطهاد وضعفهم ، ويتحدث عن هؤلاء الذين ضجوا للالهه حتى قبل أن يرغمو على ذلك ، وعن الوالدين الذين جعلوا اطفالهم يشاركون فى هذه الطقوس ، وخاصه هؤلاء الذين أنكروا الإيمان بسبب محبتهم العمياء للقنيه ، ولا يمكن أن يعطى لهم الغفران بسهوله ، ويحذر المعترفين من التشفع لهؤلاء الناس ، وقال أن التساهل معهم لن يؤدى إلا إلى منعهم من تقديم التوبه المناسبه ، وفقط

هؤلاء الذين ضعفوا بسبب عذابات عظيمه يستحقون الرحمه ، على أيه حال ، هؤلاء جميعهم يجب أن يخضعوا لقانون التوبه ن وحتى هؤلاء الذين إستطاعوا أن يقدمواشهادات بأنهم ذبحوا لللأوثان دون ان يدنسوا أياديهم بمشاركه فعليه فى هذه العبادات الوثنيه يجب ان يخضعوا لقانون التوبه لآنهم دنسوا ضمائرهم .

وقد قرأ هذا الكتاب فى المجمع الذى عقد فى قرطاج فى ربيع 251 م وصار أساس الإجراءات الثابته التى تتخذ فى موضوع المرتدين الصعب فى كنيسه شمال أفريقيا كلها . ونقدم فى الفصل التالى عرضا شاملا لهذا العمل .

4) وحده الكنيسه The Unity of The Church

وكان لكتاب وحده الكنيسه تأثيره القوى دائما ن وهو يقجم لنا مفتاح شخصيه مبريانوس وكل ما كتبه ، سواء كتب او رسائل ،ويبدو انه قد كتببالدرجه الولى بسبب إنشقاق فليسيسيموس Felicissimus فى قرطاج، واغلب الظن ان كبريانوس كتب هذا العمل بعد عودته الى قرطاج ، فى مايو 251 م وقت المجمع المنعقد هناك ، ومن رسالته رقم 54 و 4 ، نعلم أنه أرسله الى المعترفين الرومان الذين كانوا لا يزالون يتبعون نوفاثيان وياقومون كورنيليوس أسقف روما ،وقد تمت المصالحه بينهم وبينه ( أى كورنثيليوس ) قبل نهايه عام 251 م.

ونقدم فى الفصل التالى ترجمه كامله لهذا العمل الثمين .

5) الصلاه الربانيه The Lord’s {rayer

أغلب الظن ان كبريانوس كتب هذا العمل بعد كتابه ” وحدهالكنيسه ” بزمن قليل ، وبالتالى يمكن ان يكون تاريخ كتابته هو نحو نهاايه عام 251م أو بدايات عام 252 م ، وقد استخدم كبريانوس كتاب العلامة ترتليان هن الصلاه الربانيه ولكن بقدر محدود إذ أن شرح كبريانوس أعمق وأشمل .

ونقدم فى الفصل التالى عرضا شاملا بهذا الكتاب .

6) إلى ديمتريانوس To Dimetrianus

هذا الكتاب عبارة عن رد على شخص ما يدعى ديمتريانوس إنهم المسيحيين بأنهم المسؤولون عن المصائب التى حلت مؤخرا من حرب ومجاعه وجفاف ، ولم تكن هى المرة الأولى التى تعزى فيها المصائب إلى المسيحيين بسبب عدم وفائهم لألهه روما القديمه ، وقد واجه ترتليان هذه الإفتراءات وتصدى لها ، ولم يكن كبريانوس أخر من دافع عن المسيحيين ضد هذه الإشاعات ،فقد تناول هذا الموضوع أيضا وأجاب عليه بإستفاضه فى كتابه” مدينه الله” ،وذلك بعد أن تنااول كاتبان أفريقيان آخران نفس الموضوع وهما أرنوييوس ولاكتاتتيوس .

” إلى ديمتريانوس ” هو واحد من أهم كتابات كبريانوس ، ونغمته الدفاعيه ومحتوياته تتشابه كثيرا مع دفاع ترتليان وكتابه ” إلى سكابيولا” .

وقد أعترض العلامة لاكتاتيوس على الإستشهاد الكثير بأدله من الكتاب المقدس، والتى لن تكون لها أى تأثير على ديمتريانوس، ورأى أن تفيد ودحض هذه التهامات كان ينبغى ان يتبنى على العقل والبراهين العقليه ، وهذا النقد يفترض أن كبريانوس كان واضعا فى ذهنه أن يخرس ويسكت خصمه، إلا ان هدفا أعمق كان نصب عينيه، إذ كان ينبغى أن يعضد المسيحيين الذين كانوا فى خطر فقدن إيمانهم بسبب هذه الأتهامات الوثنيهن وما زال تاريخ كتابه هذا العمل غير معروف .

7) الموت On the Mortality

ما أن انتهى إضطهاد ديسيوس ، والذى قتل فيه كثيرون ، حتى حل وباء مرعب نشر الفزع والموت عام 252م، ولكى يشرح كبريانوس معنى الموت بالنسبه للمؤمنين ، كتب كتابه ” الموت ” فى ذلك الوقت .ونقدم فى الصفحات التاليه عرضا كاملا لهذا العمل .

8) الأعمال والصدقات Concerning Works and Alms

فى نفس تاريخ كتابه ” الموت ” وضع كبريانوس عمله ” الأعمال والصدقات ” والذى يحث على العطاء الحر ، فالوباء المدمر ترك الكثيرين فقراء مجردين من كل شىء وهنا وجدت المحبه فرصه رائعه لمساعده المحتاج والمريض والمحتضر .

وكان لهذا الكتاب مكان متميز دوما فى التراث المسيحى ، وتسرد أعمال مجمع أفسس المسكونى عام 431 م العديد من صفحاته ، ونقدم فى الفصل التالى عرضا كاملا لهذا العمل .

9) فائده الصبر The Advantage of Patience

بنى القديس كبريانوس كتابه عن فائده الصبر على عمل ترتليان عن الصبر ، وتظهر المقارنه بين العلمين أن إعتماد كبريانوس الأدبى فيه على عمل ترليان هو أكثر من إعتماده على أى آخر من أعمال ترتليان ، ويتضح ذلك بالأخص فى الإطار العام وإختيار التشبيهات ، إلا أن الفرق بين الكتابين فى الروح اللغه يظل واضحا تماما كما هو الحال مثلا فى وصف أيوب .

وتوضح المقدمه ان الكتاب كان عباره عن عظه، وفى رساله كبريانوس إلى جوبيانوس Jubianus ، وهو فى الغالب كان أسقفا لموريتانيا ، يذكر أنه قد كتبه نحو عام 256 م .

10 ) الغيرة والحسد Jealousy and Envy

يعتبر هذا الكتاب ملحقا بكتاب ” فائده الصبر ” ويعتقد أنه قد كتب فى النصف الثانى من عام 251 م أو عام 252 م .

11) حث على استشهاد مرسل إلى فورتوناتوس Exhortation to Martyrdom, addressed to Fortanatus

هذا الكتاب عباره عن مجموعه من النصوص الكتابيه ، وقد وضعه كبريانوس استجابه لطلب شخصيدعى فورتوناتوس، ليقوى ويعضد المسيحيين أما الإضطهاد القادم ، والنصوص مرتبه فيه تحت 12 عنوانا، وهكذا يقدم ككبريانوس ماده مجرده وليس شرحا كاملا .

ويشير هذا الكتاب إلى احد الإضطهادات ، وقد تباينت آراء العلماء حول الإمبراطور المقصود هنا ، إذا كان إضطهاد داسيان أم فاليريان ، ويعتقد أنه قد كتب نحو عام 253 م .

12) إلى كويرينوس : كتب العهود الثلاثه To Quirinus: The Book of Testimiones

رغم ان كتابه ” إلى فورتوناتوس ” له قيمه عظيمه فى تاريخ أقدم النسخ اللاتينيه للكتاب المقدس ، إلا أنه ليس هناك كتاب من كتابات كبريانوس له أهميه فى هذا الصدد مثل كتابه ” إلى كويرينوس” والذى يتكون من العديد جدا من الآيات الكتابيه المجمعه معا تحت مجموعه من العناوين .

وقد قسمه كبريانوس فى البدايه الى كتابين ثم أضاف اليه كتابا ثالثا .

الكتاب الأول هو دفاع ضد اليهود ، أما الكتاب الثانى فيتناول موضوع الخريستولوجى ، وترتيبه شبيه بذلك الذى فى كتاب ” إلى فوتوناتوس ” .

ويتضمن الكتاب الأول 24 عنوانا جانبيا ن بينما يتضمن الثانى 30 عنوانا جانبيا .

اما الكتاب الثالث فله مقدمته الخاصه به ، والتى توضح ان كبريانوس قد وضعه بناء على طلب ثان من كوبرينوس ، وهو ملخص للأخلاقيات المسيحيه ومرشد للفضائل ويتكون من 120 موضوعا يتبع كل منها الأدله والبراهين من الكتاب المقدس .

ولأن المقدمه لا تشير إلى الكتابيين الأول والثانى ، لذلك لا نستطيع الجزم بما إذا كان كبريانوس قد جمع الكتب الثلاثه معا أم لا ن وأغلب الظن أنه جمع الثلاثه معا بعد متابتهم بفتره ، ويعتقد الباحثون أن تاريخ هذا العمل لابد أن يكون قبل عام 249 م .

13) عن أن الآصنام ليست آلهه That the Idols are not Gods

يهدف هذا البحث الصغير فى جزئه الول ( 1-7) إلى إثبات أن الأصنام الوثنيه ليست آلهه بل كانوا ملوكا سابقين ، وبسبب ذكراهم الملوكيه ، بدأت عبادتهم بعد موتهم ، ولكى تحفظ ملامح هؤلاء الذين رحلوا ، نحتت التماثيل لهم ن وذبح الناس الذبائح والضحايا واحتفلوا بأعيادهم كرامه لهم ، كما يمكن إثبات ذلك من التالريخ ، وليس هناك أى داع للربط بين هذه الممارسات الدينيه وبين القحط الذى حل بروما .أما الجزء الثانى ( 8-9 ) فيظهر أن هناك إله واحد فقط ، غير منظور وغير مدرك ، ثم يقدم فى الجزء الثالث فكرا خريسلوجيا مبسطا .

ب) الرسائل

تمثل رسائل القديس كبريانوس مصدرا غنيا لمعرفه تاريخ هذه الحقبه من حياه الكنيسه ، فهى تعكس مشكلات وجدالات الإدارة الكنيسه فى نحو منتصف القرن الثالث .

ويرجع تاريخ تجميع هذه الرسائل إلى زمن بعيد ، وقد بدأ فعلا عندما رتي كبريانوس بعضا من رسائله بحسب محتواها وأرسل نسخا منها إلى مراكز مسيحيه مختلفه وإلى الأساقفه زملائه ن كما يجمعت مجموعات أخرى من الرسائل من 81 رساله ، 5 منها بقلم كبريانوس ، و16 مرسله إليه او إلى إكليروس قرطاج .

والرسائل من 5 : 43 كتبت عندما كان كبرياوس فى محنته فى فتره اضطهاد ديسيوس ومنها 27 رساله إلى إكليروس قرطاج وشعبه .

ومراسلاته مع البابا كورنيليوس وليسيوس Lucius تتمثل فى الرسائل من 44:61 ، 64 ، 66 ، ومنها رساله ( 44- 55 ) عن إنشقاق نوفتيان .

والرسائل من 67:75 كتبها أثناء أسقفيه استفانوس ( 254-257 م) وهويتناول الجدال حول المعموديه ، والرسائل 78 : 81 أرسلها من منفاه الأخير .

أما باقى الرسائل1: 4 ، 62 ، 63 ، 65 ، فقد كتبها كبريانوس بنفسه لكن لا نستطيع أن نصتفها تاريخيا لأنها لا تتضمن أى إشاره إلى تاريخ كتابتها .

والرساله 63 تعتبر كتابا وتسمى أحيانا ” سر كأس الرب ” وتتحدث عن سر الإفخارستيا كما يتضح من إسمها .

لكن هذه المجموعه غير مكتمله، لأن هناك إشارات لرسائل اخرى فقدت ، والمخطوطه الوحيده التى تحتوى هذه الرسائل الـ81 لا تعتبر فقط مصددرا هاما فى تاريخ الكنيسه والقانون الكنسى، بل وأيضا أثرا متميزا فى اللاتينيه المسيحيه .

ملامح فكر القديس كبريانوس

الكنيسة

تميز القديس كبريانوس باهتمامه بادارة كنيسته من خلال تعليمه عن طبيعة الكنيسة و دورها من واقع خبرته الرعوية الاسقفية و هو يرى فى قصة سوسنة رمزا للكنيسة المتحررة من الخطية و رمزا للكنيسة النقية سواء النقاوة العقائدية او السلوكية.

و هو صاحب القول الشهير لا يستطيع احد ان ياخذ الله ابا له ما لم ياخذ الكنيسة اما لذا نادى القديس كبريانوس دائما بامومة الكنيسة كعروس المسيح النقية الطاهرة معتبرا ان من يبقى خارج الكنيسة يكون خارج معسكر المسيح فليس مسيحيا من هو ليس داخل كنيسة السيد المسيح اذ كيف يمكن ان يكون احد مع المسيح ان كان لا يحيا داخل عروس المسيح و ان لم يوجد فى كنيسته.

و طالما كانت ولادة المسيحى تتم فى المعمودية التى لا تحدث الا فى العروس الوحيد للمسيح التى تستطيع ان تلد روحيا اولادا الله فاين يمكن ان يولد من لم يكن ابنا للكنيسة؟؟

و يرى كبريانوس ان الكنيسة كفلك نوح لا يخلص من يبقى خارجها فكما لم يخلص من ظل خارج فلك نوح كذلك فانه لا خلاص لمنص51

يبقى خارج الكنيسة لا خلاص لاحد خارج الكنيسة و يبين القديس كبريانوس ان فلك الواحد كان رمزا للكنيسة الواحدة فلو كان فى زمان معمودية العالم التى بها تم له التطهير و الفداء قد امكن لاحد ان يخلص و هو خارج فلك نوح لكان من الممكن ان يحيا من هو خارج الكنيسة اما من يتركها و يخرج خارجا فدمه على راسه و هو مسؤول عن هلاك نفسه.

و يؤكد القديس كبريانوس على وحدانية الكنيسة بايمانها الواحد و جسدها الواحد معتبرا الشقاق و الهرطقة من عمل الشيطان فالكتيسة لا توجد منقسمة و لا منفصلة بل مرتبطة و متحدة بواسطة الاساقفة الذين يكونون معا باتحادهم الواحد مع الاخر جسما متماسكا للكنيسة.

و فى اوصاف اخرى يصف القديس كبريانوس الكنيسة كمجموعة من حبوب القمح التى تتحد معا لتؤلف خبز الافخارستيا و يصفها بالام التى تضم فى حضنها جميع اولادها و تجمع شعبا كاملا و يصفها بانها بيت الله و بيت المؤمنين حيث اشار الى الله مسكن المتوحدين فى بيت.مز 668.

و القديس كبريانوس هو اول لاهوتى يعالج موضوع وحدة الكنيسةكموضوع رئيسى فى تعليمه باعتبارها عروس المسيح و ام المؤمنين و امنا الكنيسة و بانها واحدة جامعة غير منقسمة. و بالاتحاد معها يمكن للمسيحين ان ينالوا الحياة الواحدة ووصاياها تؤدى الى الطريق المستقيم و خارج شركة الكنيسة لا شىء سوى الخطية و الظلمة حتى الاسرار و الرسامة و الاسقفية و الاعتراف بالايمان و الانجيل نفسه لا معنى لهم طالما هم خارج الكنيسة. رسالته رقم 5 حفظ القديس كبريانوس تعليمه عن الكنيسة بانها الجسد الذى يتغذى على الحياة الالهية السرية الواحدة الجسد الذى ينبغى ان نتحد به ان ارادنا ان نتحد بالمسيح عريس الكنيسة. ويرى كبريانوس الاسقف و الشهيد ان الكنيسة جسد عضوى مترابط ذو بنيان منظور و دستور و قانون واضح و برئاسة كنيسة منظمة الشهداء و المعترفون ثم العذارى و النساك ثم الشمامسة و الخدام ثم الاخوة و الاخوات و اولا الاكليروس بدرجاته المتنوعة يراسهم فى كل ايبارشية الاب الاسقف. رسالته رقم 26

طبيعة خدمة الاسقفية

اتفاقا مع تقليد باقى آباء الكنيسة الجامعة يوضح القديس كبريانوس ان تكميل تحقيق الكنيسة كجسد المسيح السرى يتم من خلال خدمة الاسقفية و تلك الوحدة السرية غير المنظورة لها وجه منظور خارجى يكمن فى اتحاد الشعب مع راعيه و القديس كبريانوس من اشهر المدافعين عن مركز الاسقفية داخل الكنيسة موضحا ان السلطان الاسقفى يختلف تماما عن اى سلطان بشرى بحت.

و كان تعليمه عن طبيعة خدمة الاسقفية مؤسسا على كلمات الوحى الالهى نفسه و على التدبير الالهى لخلاص العالم فهو يعتبر الاسقفية موهبة و الاسقف لابد ان يكون متوشحا بالروح و كل ايبارشية يصبح لها ملاكا و كارزا و راعيا متمثلا فى شخص اسقفها و كل اسقف يشغل مكان القديس بطرس تلرسول داخل كنيسته و له نفس السلطان المعطى للرسل الاثنى عشر يتوارثه الاساقفة جيلا من بعد جيل ارعى خرافى ارعى غنمي

ارعى غنمى يو 21-15

و فى رسالته رقم 26 يرى ان الاسقفية هى ادارة الكنيسة التى تعبر عن وحدتها فهى تمثل الكنيسة و توجد من اجل الكنيسة و هى تصير ذات معنى فقط فى مضمون وجود الجماعة الحية للكنيسة خلال الاسرار و الرعاية و الشركة و الشهادة.

و القديس كبريانوس مثله فى هذا مثل آباء الكنيسة الاولى لا يصيغ افكار عن هذا الموضوع فى تعبيرات مجردة او كامتيازات قائمة بذاتها تصبغ على مقتنى درجة الكهنوت بسبب منصبه او باعتباره هذا و لكن كل شىء يختص بهذه الدرجة الكهنوتية مرتبط ارتباطا مباشرا بقداسة الحياة الكنسية و بالوفاء بكل احتياجات اعضائها الروحية.

و فى وسط الكنيسة وجد القديس كبريانوس راحته باعتبار ان الكنيسة هى المجال الروحى الذى من اجله يعيش الاسقف و يعمل و يجاهد و يرعى و يسهر و هى بدورها تسنده و تحوطه بتعاليمها و صلوات اعضائها.

كذلك يرتبط القديس كبريانوس بين الاسقف و الرعية اعضاء جسد المسيح السرى تماما فيقول فى رسالته رقم 68 الكنيسة بالاسقف و الاسقف بالكنيسة لذا انصب اهتمامه فى ان يرى وظيفة الاسقف فى وحدة جذرية مع الكنيسة و مع شعب الله المؤمن فيقول فى رسالته رقم 82 الاسقف حينما يعترف بالايمان انما ينطق بفم الشعب بالهام الله.

لم يجعل القديس كبريانوس خدمة الاسقف اعلى من الكنيسة لذلك اصر على الانتخاب الشعبى للاسقف فمن حق الشعب ان يختار راعيه و من حقه ان يرفضه اذا اعتنق الهرطقة او كان غير منسحق.

بينما يصف الرعية بانهم الشعب المسيحى و الجنس الالهى الذى نال الميلاد الثانى بالمعمودية التى بها يصير الكل اولادا لله و اخوة و يبقون هكذا حتى النياح كذلك يؤكد القديس كبريانوس على ان السلطان المعطى للراعى ليس كسلطان البشر لذا مشيئة الله هى ان يختار الاسقف و الكاهن فى حضرة الشعب كله كما علم الله موسى ان يقيم هارون و اليعازر امام المجمع كله ( رسالته رقم 67) اى تحت بصر الجميع ولا تتم رسامة الكهنة الا بعلم الشعب و موافقته حتى تتاح للذين يعرفون المرشحين شخصيا ان يعلنوا فضائل او اخطاء كل منهم اما الكهنة الذين ارتدوا (رسالة 63) فيجب ان يجردوا من كهنوتهم لان الكهنة فى العهد القديم كان يجب ان يكونوا بلا لوم.

و القديس كبريانوس بعكس العلامة ترتليان( الذى انحرف فى البدعة المونتانية) كان يؤمن بوجود رتبة الكهنوت المعطاة للكهنة لكن هذا لم يمنعه ابدا من ان يشرك الشعب معه فى كل قراراته العظمى و كان يصف الكنيسة بانها تتكون من الاسقف و الاكليروس و المؤمنين (رسالته10) الذين هم ثابتين فى الايمان.

و يعتبر كبريانوس ان المسيح ربما قد اسس الكنيسة و اقامها على الاساقفة خلفاء الرسل و جعلهم رؤوسا لها. و هو يصلى دائما من اجل حيوية الكنيسة ليكون اعضاؤها من الاحياء. فتكون الكنيسة عندهم و فيهم لان الله ليس اله اموات بل اله احياء (مت22:32) (رسالته33)

و راى كبريانوس منذ بداية اسقفيته الا يقرر شيئا بدون مشاورة الاكليروس و اعضاء الكنيسة لتكون امور رعايته برضى الشعب لذا كان يجتمع بهم و يفحص معهم مايتخذ من تدابير (رسالته14) و هكذا نرى ان كبريانوس لا يتناول المنصب الاسقفى فى ذاته بمعزل عن الكنيسة بل فى اطار مفهومها و طبيعتها و عملها الالهى و السرائرى و الدعوى.

لذلك يسهى القديس كبريانوس لان يرى كل صفات الانسان الروحى مجتمعة فى شخصية الاب الاسقف فيقول فى رسالتيه(رقم 3 و رقم 32) الاسقف يجب ان يكون النموذج الحى لاعضاء كنيسته فى الفضيلة و الثبات فى الايمان و السيرة الشخصية و القدوة متقدما على الجميع و من تتوفر فيه هذه المتطلبات الروحية يكون هو وحده المستحق ان يدخل ضمن عضوية مجمع الاساقفة المقدس.

و يحزن القديس كبريانوس من اجل كل اخفاق ياتى من جانب الاسقف فى النهوض باعباء وظيفته اذا كان يشغل وظيفته من اجل المنفعة الذاتية او ينغمس فى الاعمال العالمية او يتراجع عن ايمانه اثناء الاضطهاد (رسالتيه رقم 61،65)

كذلك يرى القديس كبريانوس ان السلطان الاسقفى بسبب الضعف البشرى ليس مطلقا بل هناك عوامل عديدة تضبط هذا السلطان :

1) ان يكون الاسقف عل اتصال بشركائه الاساقفة و مرتبطا معهم معتبرا ان الآباء الاساقفة رفقاءه و شركائه فى الخدمة و ان القسوس و الشمامسة اخوته المحبوبين( رسالته 35،44،64 ).

2) الا يتصرف الا على مستوى وصايا الله فى اتفاق مع تقليد الكنيسة المقدس و على خطى المبادىء التى اتبعها سلفاؤه الآباء الاولين من اقوال و تعاليم و قوانين لذا كان الرجوع الى اقوال و اعمال الاباء السابقين سمة طبيعية فى قرارات القديس كبريانوس فيما يختص بتدبير الكنيسة ( رسائله 95،9،51،66 ).

3) ان يتمسك بالقانون الكنسى و بروح الشركة المجمعية (رسالتيه 5،14) كضمير الكنيسة الحى على مدى الاجيال و كتقليد يحفظها.

4) الا يستحدث قوانين كنسية جديدة اعتباطا والا يسمح بالمخالفات تحت ادعاء انها سبق و ارتبكت فى الماضى فليس معنى ان خطا ماقد حدث قبلا ان يسمح بتكراره دائما اى ان يصير الخطأ المتكرر قانونا ( رسالته  72) … و يؤكد القديس كبريانوس على ان الوظيفة المميزة للاسقفية حقا تكمن فى خدمة الاسرار فتلك هى الاعمال ذات الاهمية القصوى فى تقديس حياة المؤمنين باعتبار انه لا خلاص لاحد خارج الكنيسة فداخل الكنيسة الطريق مفتوح للجميع لنوال الاسرار المؤدية للخلاص و جماعة المؤمنين باكملهم بلا اى تفريق يشاركون فى العبادة الليتورجية و الاسقف بالرغم من انه الرئيس المكرم وسط الجماعة الا انه بالاكثر معتبر خادم الاسرار ووكيل سرائر الله لذا بخدمته الاسقفية يكون اداة الوحدة فى كنيسة الله و اداة التعبير الدائم عن الوحدة السرية الكائنة فى جسد المسيح السرى (الكنيسة).

شرح القديس كبريانوس ان هروبه وقت محنة الاضطهاد الاولى لم يكن تخليا عن رعيته و نشر بيانا عن اعماله مما يدل على حزمه و على صلابته الاسفقية فهو حبر مسؤول عن اكليروسه و عمله الرعوى و الادارى و التدبيرى بكل غيرة لذا بقى دائما ساهرا على اخوته حاضرا بينهم بروحه و تشجيعه و نصيحته ( رسالة20 ) و كانه محبوسا بينهم معهم بالقلب يشعر بهم بينما هو فى مخبئه.

تعود كبريانوس على مشاورة الشعب قبل السيامات و على ان يفحص معهم الشهادات البشرية و الاختيار الالهى فمنذ بداية اسقفيته لم يكن يقرر شيئا بدون مشاورة و رضى الشعب و متى اجتمع بهم كان بنعمة الله يفحص معهم كما يقتضى ما اتخذه و مايتخذه من التدابير.

الكتاب المقدس و التقليد

ان القديس كبريانوس و هو يعترف بولائه للتقليد يعترف ضمنا و صراحة ايضا بالولاء المطلق لحق المسيح غير المتغير الذى عاشت به الكنيسة دائما و كان القديس كبريانوس لاهوتيا يعتمد على الكتاب المقدس و هو يحس فى نفسه انه اولا محكوم بالكتاب المقدس الذى له سلطان مطلق على كل احد و على الاخص على من يشغلون اى رتبة فى الكنيسة فالكتاب المقدس يوضح كحكم بين الآراء المتعارضة(رسالته رقم 51)

و ينظر كبريانوس الى الاسقف على انه معلم اولا و هذا امر ياخذه مأخذ الجد فوظيفة التعليم ليست امتيازا لكنها واجب و مسئولية جديران بالاعتباؤ ففهم حق الانجيل و اساسيات العقيدة و فوق الكل واجبات السلوك المسيحى هى اساسيات لا غنى عنها فالاسقف لابد ان يحفظ الحق التقليدى للكنيسة و الامر فى هذا لا يحتاج الى مهارة شخصية او مواهب فائقة بل الى دراسة و اجتهاد شخصى دائم.

و يؤكد القديس كبريانوس على ان تعاليم الانجيل هى التعليم الاتى من الله و هى الاساس الذى يبنى عليه رجاؤنا و هى الجدار الذى يستند اليه ايماننا تغذى قلوبنا و تسير بنا فى طريق الخلاص الى النهاية حتى تبلغ بنا الى ملكوت السموات.

الروح القدس

مثل الاياء الاساقفة اغناطيوس و ايريناؤس اسقف ليون هكذا كان ايضا كبريانوس اسقف قرطاجنة مهتما بالوحدة الكنسية المؤسسة على الروح القدس لذا يقول (لقد كان الروح القدس ينظر الى الكنيسة الواحدة لما قال فى النشيد: واحدة هى حمامتى كاملتى الوحيدة لامها هى (نش 6:9) فان المؤمنين ليس لهم سوى بيت واحد و كنيسة واحدة و لقد كان الروح القدس ينظر الى هذا البيت الواحد و الى التوافق الكائن فيه. اى فى بيت الله فى كنيسة المسيح حيث تسكن النفوس البسيطة المتحدة و المتوافقة معا.

و لهذا السبب يظهر الروح القدس نفسه فى هياة حمامة لان الحمامة طائر بشيط و مبهج و ليس فيه عنف او عداء بل يألف مساكن الناس و يسر بالبيت الواحد هكذا نحن ايضا فى الكنيسة لتكن لنا هذه البساطة و هذه المحبة النى تجعلنا مثل الحمامة

فالروح القدس يستعلن فى هيئة حمامة لان الحمامة هى رمز السلام و يعتبر كبريانوس ان افضل ذبيحة لدى الله هى سلامنا و توافقنا الاخوى و ظهور وحدة الآب و الابن و الروح القدس فى تآلف الشعب المسيحى.

و يركز كبريانوس على علاقة الروح القدس بالكنيسة كجسد و كافراد فى الجسد اما من يتبع هذا من نمو فى النعمة او فقدان لها فهذا يرجع فى عقيدة كبريانوس الى السلوك و التجاوب لذا يقول عن الروح القدس انه يفاض بقدر مايقبل.

و يعتبر ان الكاهن هو خادم الاسرار الذى يتممها بالروح القدس و ان الكنيسة وحدها لها هذه القوة و تملك ينابيع المياه الحية.

و يتبع كبريانوس خط العلامة ترتليان فى تاكيده على ان وضع الايادى بعد المعمودية يكمل بالضرورة طقس المعمودية لاعطاء الروح القدس كذلك يعتبر الروح القدس مصدر الالهام للانبياء و الرسل جميعا.

سر المعمودية

يؤكد القديس كبريانوس على ان الروح القدس هو الفاعل فى تقديس الاسرار فمن خلال غسل الماء يولد الموعوظ ميلادا ثانيا الى جدة الحياة.

كنتيجة لحلول الروح القدس فى الماء و حينئذ يتهيأ للاشتراك فى كاس الرب بعد نواله نعمة الروح القدس فى المعمودية انما هى بالروح و الماء.

و يعتبر كبريانوس مثل سابقيه من الاباء ان الانسان العتيق يموت فى المعمودية و يولد الانسان الفاخر الجديد الذى يخلص بغسل التجديد بحسب الرحمة الالهية خلال حميم المياه الشافية الواهبة جدة الخلاص بالميلاد الثانى بطريقة معجزية و هو فى هذا يؤكد على سرائرية المعمودية و فاعليتها و عل انها انضمام لعضوية الكنيسة.

ركز القديس كبريانوس كرجل كنسى من الطراز الاول على ان الاسرار المقدسة هى سلاح التكريس و الايمان واضعا فى ذهنه السر scarment والسلوك بحسب المعمودية فيقول( ليتنا نحن الذين فى المعمودية متنا و دفنا عن الخطايا الجسدية التى للانسان القديم و قمنا مع المسيح فى التجديد السمائى نفكر و نعيش فيما للمسيح و نمارس تجديدنا هذا

ثم يشرح كبريانوس قانونية الممارسة الطقسية للسر فيقول يلزم اولا ان تتطهر الميان و تتقدس بواسطة الكاهن لتحل فيها قوة التقديس للمعمودية لغسل خطايا الانسان الذى ينال المعمودية اذ يقول الرب لحزقيال : و ارش عليكم ماء طاهرا فتطهرون من كل اصنامكم و اعطيكم قلبا جديدا و اجعل روحا فى داخلكم .(حز 36:25) و كذلك يتحدث كبريانوس عن خادم السر الكاهن فيقول كما ان الرسولين بطرس و يوحنا بعد صلاة واحدة استدعو الروح القدس ووضعو الايدى على سكان السامرة (اع 3:14) هكذا فى الكنيسة ايضا منذ ذلك الحين ينال جميع المعمدين الروح القدس و يختمون بختمه عند دعاء الكهنة ووضع اياديهم…. فالكنيسة هى الوسيط فى منح الروح القدس للمعمدين.

و يتحدث القدس كبريانوس عن الكاهن خادم السر و عن سر المعمودية كعمل كهنوتى و عن المعمودية كختم و ميلاد ثان جديد و عن مسحة التثبيت ( الميرون ) و عن تغطيس المعمد ثلاث مرات على اسم الثالوث القدوس فيقول ( والذين يعتمدون فى الكنيسة يتقدمون الى مدبرى الكنيسة و بصلوات ووضع ايدى الكهنة يتقبلون الروح القدس و ختم الرب اذ ينبغى على من يعتمد ان يمسح ايضا بالمسحة ليكون ممسوحا لله و ياخذ نعمة المسيح )

و عن لزومية معمودية الاطفال يقول : لايجوز ان نمنع احدا من المعمودية و نعمة الله الذى هو صالح رؤوف بالجميع فالمعمودية هى للجميع خصوصا للاطفال الصغار الذين بنوع خصوصى يستميلون انتباهنا و صلاح الرب .

و فى تعليمه السرائرى يوضح طقس جحد الشيطان فيقول ( اننا نجحد الشيطان و هيئة هذا العالم كله، و جحد الشيطان مؤكد بالتقليد ) و كذا يقول الرب ذاته اوصى بان نعتمد باسم الثالوث القدوس ( اى الاب و الابن و الروح القدس ) مؤكدا على استدعاء الثالوث و ضرورته لكمال شرعية السر الكنسى.

ثم ينتقل بنا القديس كبريانوس الى معمودية الدم فيقول: لقد اخذنا بتدبير من الله المعمودية الاولى فليكن كل واحد منا مستعدا للمعمودية الثانية ايضا متيقنا ان نعمتها و قوتها و كرامتها اعمق و اثمن من الاولى انها تلك التى يعمد بها الملائكة الشهداء معمودية الدم التى بها يتمجد الله و مسيحه المعمودية الماء ننال غفران الخطايا اما فى معمودية الدم فننال اكليل كل الفضائل.

و يركز القديس كبريانوس على اننا ننال التطهير و الفداء و الخلاص داخل الكنيسة فيقول: فى فلك نوح خلص قليلون اى ثمانى انفس فقط بالماء الذى على مثاله يخلصكم انتم ايضا بالمعمودية. فلو كان فى زمان معمودية العالم التى بها ثم تم له التطهير و الفداء قد امكن لاحد ان يخلص و هو خارج فلك نوح لكان من الممكن ان يحيا بدون معمودية من هو خارج الكنيسة.

و يتحدث القديس كبريانوس ايضا عن الاسرار باعتبارها تتم بتوسط عاملين متحدين معا العنصر الاول و هو منظور ( الماء الخبز الخمر الزيت ) و العنصر الثانى غير المنظور اى الروح القدس باعتبار ان الروح القدس هو مانح العطايا كما يؤكد على ارتباط سرى المعمودية و المسحة المقدسة الميرون فى الممارسة معا اذ لا يمكن فى الطقس الكنسى الفصل بين هذين السرين.

سر الافخارستيا

اما عن التعليم الافخارستى فيعلم القديس كبريانوس بان المسيح هو خبزنا و قوتنا نحن الذين ناكل جسده و الذين زلوا فى الهفوات و يتقدمون للشركة بدون توبة انما يستهينون بجسد الرب و دمه و يقترفون انما بجسارة ضد الرب و يرى ان الافخارستيا توحدنا فيقول عندما يدعو الرب الخبز المعد من حبات القمح جسده و عندما يدعو الخمر المعد من حبات العنب دمه فهو بذلك يوحدنا و ياتى بنا الى الوحدة الكاملة.

و يرى القديس كبريانوس ان جسد المسيح و دمه يحمينا عندما ناخذ الجواهر الالهية التى هى فعلا جسد المسيح و دمه اذ اننا ناكل جسد الرب و نشرب دمه الكريم و فى تقديم ذبيحة القربان انما الكاهن يمثل المسيح كاهننا الاعظم و يحقق دور المسيح حين يفعل مافعله الرب و حينئذ فقط تكون الذبيحة كاملة و حقيقية فى الكنيسة لله الآب عندما يتم اصعادها بحسب مثال تقدمة المسيح.

و ما دامت تقدمة المسيح هى تقدمة آلامه فانه ينبغى ايضا ان تكون آلامه هى غاية و موضوع ذبيحتنا و بحسب القديس كبريانوس حينما نصعد القرابين و نقدم ذبيحتنا انما نفعل مافعله الرب نفسه فالكاهن سرائريا يعيد عمل و تقديم قربان آلام المخلص الذى قدمه لله الآب و المسبح حين تالم من اجلنا ومن ثم قدم ذبيحته كنا نحن فيه بنفس القدر كما كان هو حاملا لخطايانا و من ثم ففى جسده و دمه قدم شعبه الى الله الآب و فى الافخارستيا يتحد المسيح بشعبه.

و يؤكد القديس كبريانوس على ان السيد المسيح هو الكاهن و هو الذبيحة بآن واحد فهو رئيس كهنة الخيرات العتيدة و هو الذى قدم نفسه ذبيحة للاب و اوصى ان يصنع هذا لذكره.

و يرى كبريانوس فى بركة يعقوب ليهوذا (تك 49:11) بغسل ثيابه بالخمر اشارة للتطهير بدم المسيح الافخارسيتى و عن سر الافخارستيا العجيب و ضرورته للخلاص يقول (ما قدسبق فعمل كاشارة او رمز للحمل المذبوح تحقق فى المسيح الذى هو الحقيقة التى يشير اليها الرمز. و كما حدث حينذاك عندما ضربت مصر ان شعب اليهود لم يتمكنوا من الهرب الا بالدم و علامة الحمل هكذا ايضا عندما يضرب العالم بالخراب كل من يجد فى دم المسيح علامة خلاصه سيهرب من الهلاك ).

الذبيحة

يعد كبريانوس الوجه الكنسى الاصيل لكنيسة شمال افريقيا، و لانه كان اسقفا و شهيدا لذا تمتع بحس الراعى و اصالة الحياة المسيحية معتبرا ان ذبيحة القداس هى كمال الكنيسة و دعامة وحدتها الروحية فيقول ان حبوب القمح المتعددة هى جسد الرب و عناقيد العنب هى دمه الى تجعلنا قطيعا واحدا متحدا و الخبز الواحد الذى هو الجسد الواحد يعكس وحدة الكنيسة الداخلية و الكاس ايضا لواحد و لكن كبريانوس يفسر مزج الخمر بالماء فى القداس باتحاد الكنيسة بالمسيح و هو اشارة للوحدة الروحية القائمة بين المسيح و الكنيسة.

و يرى كبريانوس ان المسيح ربنا و الهنا هو مؤسس و معلم هذه الذبيحة، معتبرا ان تقديس كاس الرب هو تقليد الرب الذى فعله من اجلنا ،لان الكاس الذى يقدم لنتذكر الرب يجب ان يقدم ممزوجا اى خمرا و ماء لان المسيح قال ( انا هو الكرمة الحقيقية ) ( 15:10) و لذلك فان دم المسيح بكل يقين ليس ماء بل خمر و لايظهر فى الكاس دمه الذى به خلصنا و الذى به نحيا، اذا لم يكن فى الكاس خمر لان الخمر هو الذى يظهر لنا دم المسيح، و هذا ما يعلنه لنا الرب و تشهد به الاسفار المقدسة.

و ملكى صاداق اعطى رمزا لسر ذبيحة الرب عندما اخرج خبزا و خمرا (تك 14:18) و هو كاهن الله العلى و بارك ابراهيم و ملكى صاداق كان مثالا للمسيح لان الروح القدس يقول فى المزامير على لسان الآب للابن ( قبل كوكب الصبح ولدتك. انت هو الكاهن الى الابد على طقس ملكى صادق ) (مز110:4) و هذا الطقس بالتاكيد هو الذى قامت عليه الذبيحة، و من هو كاهن الله العلى الا ربنا يسوع المسيح الذى قدم ذبيحة لله الاب و قدم بنفسه ما قدمه ملكى صاداق الخبز و الخمر اى جسده.

و الروح القدس يتحدث بواسطة سليمان عن مثال ذبيحة الرب حيث يذكر ذبيحة القربان اى الخبز و الخمر، و المذبح و الرسل ( الحكمة بنت بيتها وشيدته على اعمدتها السبعة ذبحت الذبائح و مزجت خمرها فى الكاس و هيأت مائدتها و ارسلت خدامها تدعو الجميع بصوت عالى الى كاسها قائلة من هو ساذج فليتقرب الى و لكل ناقص الفهم نقول تعالوا كلوا من خبزى و اشربوا من خمرى الذى مزجته لكم (ام 9:1) و يعلن الروح القدس بصوت النبوة ان الخمر الذى مزج بالماء هو كاس الرب و هذا يؤكد لنا ان ماتم فى آلام الرب قد سبق و اخبر عنه الروح القدس.

و يشير كبريانوس الى بركة يعقوب ليهوذا و غسل لباسه بالخمر و ثوبه بدم العنب (تك49:11) فدم العنب هو خمر كأس دم ربنا مشيرا الى اشارة اشعياء عن آلام الرب و ثيابه الحمراء كدائس المعصرة (اش 63:2) باعتبارها اشارة الى دم الرب الذى اظهر فى كاسه حسبما سبق الانبياء و اخبروا عنها، تلك الكاس التى شربها الرب اولا ثم اعطاها للمؤمنين ليشربوا منها .

فدم المسيح هو الذى يعلن و يظهر فى الكأس دم يسوع المسيح نفسه حسب عهده معنا و لذلك يجب ان يكون الكأس مملوء بالخمر الممزوج ذلك الخمر الذى يعلن و يظهر دم الرب لانه ذلك الدم المسفوك عنا يكون حاضرا دائما طالما ان شخص يسوع نفسه حاضر على الدوام.

و ذلك الحضور غير المنظور هو حضور يقتضى وجود الكأس كعلامة ظاهرة للحقيقة الابدية التى تعلن فى الزمان لتقودنا الى الحكمة الروحية و تحرر نفوسنا و تنزع عنا الغم و تهب راحة لنفوسنا و تقدم لنا فرحة الصلاح الالهى و تنسينا الفكر الزمنى و كآبة القلب التى تسببها احمال الخطية.

و يتحدث القديس كبريانوس عن الخمر و الدم و الخبز و الجسد مستخدما تعبير ذبائح الرب اى بصيغة الجمع و هو يعنى القداسات نفسها ذبائح الرب نفسها التى تعلن ان اتفاق المسيحين نابع من الذبيحة (رسالة 75) و فى رسالته رقم 62 يقول ونحن نذكر الامه فى كل الذبائح لان آلام الرب هى الذبيحة التى نقدمها و مع وجود صيغة الجمع و المفرد معا يمكننا ان نتاكد ان كبريانوس يعنى القداسات نفسها و لعل قيمة استخدام صيغة الجمع هو التاكيد على الذبيحة نفسها كعمل اساسى.

و يؤكد كبريانوس على اهمية الافخارستيا و انها هى سلاح الشهداء، و لذلك يجب ان يأكل منها المؤمنون يوميا، و لعل الاشارة الى الاحتفال بسر الشكر وردت لاول مرة فى كتابات آباء شمال افريقيا اللاتين عند كبريانوس.

و لم يغفل القديس كبريانوس دور الكنيسة فى تقديم الاسرار الالهية، لذا يقول فى رسالته (رقم 54) :

( عندما يقترب الاضطهاد مجددا و تبدو علامات تنذر بذلك كونوا مستعدين و تسلحوا لاجل الجهاد لا تتركوا من تشجعونهم فى الجهاد مجردين بلا ذخيرة دفاعية بل ليصطفوا فرقا فرقا تحت شعار جسد يسوع و دمه اشبعوهم من الزاد السمائى الكائن فى سر الافخارستيا درعهم و ملجأهم ضد الاعداء) .